بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
الشخصية الحسودة هي شخصيةٌ ينشغل صاحبها بما يملكه غيرُه أكثر من اهتمامه بما يملكه هو، وينظر لما في يد غيره أكثر مما ينظر إلى ما في يده هو؛ فتسيطر عليه مشاعرُ الضيق والانكسار إذا رأى نجاحًا أو تميّزًا عند غيره، وتراه غير راضٍ عن حاله رغم ما لديه من نِعم.
ونحن هنا لا نتحدث عن لحظةٍ عابرةٍ أو شعورٍ مؤقتٍ، بل عن نمطٍ يتكرر، ويصنع مع الوقت ملامح شخصيةٍ يمكن أن نسميها بالشخصية الحسودة .. هذه الشخصية تنظر إلى ما لدى الآخرين من نِعمٍ ومزايا، لا لتتعلم أو تستفيد، بل لتقارنه بما لديها، ثم يصل بها الحال إلى أن تتمنى زوال النعم من الآخرين.
فإذا رأت نجاحًا عند غيرها، فإنها لا تسأل: كيف أتعلم؟ بل تشعر بشيءٍ من الضيق، وتتمنى أن لو كان هذا النجاح لها دون غيرها، وإذا رأت نعمةً عند أحد، فإنها لا تفكر في الشكر على ما لديها من نِعم، بل تنشغل بما ينقصها، وهكذا تتحول الحياة عندها إلى سباقٍ صامت، تعيشه في داخلها كل يوم.
ومن أبرز سمات هذه الشخصية أنها تشعر بالتعب والحزن عندما ترى إنجازات الآخرين؛ ولذلك تراها تتردد في التهنئة، أو تقول كلماتٍ تبدو لطيفةً لكنها خاليةٌ من الحماس الحقيقي، وربما تحاول – دون أن تشعر – التقليل من قيمة ما حققه الآخرون، أو البحث عن تفسيرٍ يُخفف من بريق هذا النجاح، وكأنها تحاول أن توازن شعورها الداخلي بشيء من التبرير.
كما أن صاحب هذه الشخصية غالبًا ما يعيش في حالةٍ من عدم الاكتفاء؛ فمهما امتلك، فإنه يبقى هناك شعورٌ خفيٌّ بأن ما عنده ليس كافيًا، والسبب ليس نقصًا حقيقيًّا، بل لأن نظَرَه دائمًا متجهٌ إلى ما في أيدي الآخرين؛ فيضيع عليه الإحساس بقيمة ما يملك، لأن عينَه لا ترى إلا ما ينقصه.
وقد يظهر الحسد أحيانًا في صورة انتقادٍ مستمرٍ أو ملاحظاتٍ سلبيةٍ؛ فبدلًا من أن يعترف بتميُّز الآخرين، فإنه يميل إلى إبراز عيوبهم أو التقليل من إنجازاتهم، وقد يبدو هذا السلوك عاديًّا في بعض المواقف، لكنه في حقيقته قد يكون محاولةً غير مباشرةٍ للتخفيف من شعورٍ داخليٍّ بالمقارنة.
ومع ذلك من المهم أن نفرّق بين الحسد والغِبطة، لأن الخلط بينهما يُوقِع كثيرًا من الناس في سوء الفهم؛ فالغِبطة شعورٌ صحيٌّ وطبيعيٌّ، يرى فيه الإنسان نعمةً عند غيره، فيفرح له، ويتمنى مثلها لنفسه، دون أن تزول عن صاحبها، بل قد تدفعه هذه الرغبة إلى الاجتهاد والعمل والتطوير من نفسه، أما الحسد فهو شعورٌ مختلفٌ، يقوم على الحزن والضيق عند رؤية النِعم لدى الآخرين، مع تمني زوالها منهم.
وهكذا تتضح الشخصية الحسودة بوصفها شخصيةً تنشغل بما عند غيرها أكثر من انشغالها بما لديها، وهي في حقيقتها لا تعاني من قلة ما تملك، بقدر ما تعاني من طريقة رؤيتها لما تملك؛ حيث يغيب عنها الرضا، ويقل لديها الشعور بالاكتفاء، ويعلو داخلها صوتُ المقارنة.
ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصيةُ الحسودة؟
تتكون الشخصية الحسودة عادةً من طريقة تربيةٍ تقوم على المقارنات؛ فحين يسمع الطفل كثيرًا: انظر إلى فلان، أو لماذا لا تكون مثل فلان؟ فإنه يبدأ في ربط قيمته بما يملكه الآخرون أو يحققونه، ومع تكرار هذه الرسائل يتعلم الطفلُ أن يرى نفسه من خلال غيره، لا من خلال قدراته الخاصة؛ فيكبر وهو يقارن ذاته دائمًا بالآخرين، وهنا تنبت بذور الحسد لديه.
وقد تتكون الشخصية الحسودة من شعورٍ داخلي بعدم الكفاية؛ فقد يعيش الإنسانُ تجاربَ تجعله يشعر بأنه أقل حظًّا من الآخرين، فيبدأ في مراقبة ما لدى الآخرين ليعوّضَ هذا الشعور، لكنه بدلًا من أن يجد راحته، فإنه يزداد انشغاله بما عند غيره، وكأن عينه لا ترى إلا ما ينقصه، ومع الوقت يصبح هذا الإحساس رفيقًا دائمًا له، يدفعه إلى المقارنة دون أن يشعر.
وقد تلعب البيئة المحيطة دورًا كبيرًا في تشكيل هذه الشخصية؛ فالمجتمعات التي تكثر فيها المنافسة على المظاهر أو المقارنة في الإنجازات، قد تدفع الفرد إلى النظر للآخرين على أنهم منافسون له، ومع تكرار هذا الشعور تتحول العلاقات إلى ساحةٍ للمقارنة والتنافس غير الشريف، فينشأ الحسد كاستجابةٍ طبيعيةٍ لهذا المناخ.
وقد تتكون الشخصية الحسودة أيضًا من طريقة تفسير الإنسان للأحداث؛ فحين يرى نجاح غيره ويعتبره دليلًا على فشله هو، أو يرى نعمةً عند غيره وكأنها نعمةٌ حُرِم هو منها؛ فإنه يربط بين حياة الآخرين وحياته بطريقةٍ غير عادلة، ومع تكرار هذا التفسير يتحول الأمر إلى قناعةٍ داخليةٍ بأن ما لدى الآخرين جاء على حسابه؛ فينشأ الحسد من هذا الفهم الخاطئ.
ولا يمكن إغفال دور التجارب المؤلمة في تشكيل هذه الشخصية؛ فقد يمر الإنسان بمواقف يشعر فيها بالتجاهل أو التفضيل لغيره؛ فيتكوّن داخله شعورٌ بالظلم أو الحرمان، ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الشعور إلى حساسيةٍ زائدةٍ تجاه نجاح الآخرين؛ فيرى في كل تميزٍ لغيره تذكيرًا بما فقده هو.
ومع تداخل هذه العوامل كلها، يتشكل الحسد تدريجيًّا بطريقةٍ لا شعورية؛ فيصبح الإنسان مشدودًا إلى ما عند غيره، بدلًا من أن يكون منشغلًا ببناء نفسه، وهنا تكمن المشكلة؛ فالحسد لا يأتي من قلة النعم بقدر ما يأتي من طريقة رؤيتها، ولا من الواقع بقدر ما يأتي من تفسيره .. وهكذا نفهم أن الشخصية الحسودة ليست نتاج نقصٍ حقيقيٍّ، بل نتاج رحلةٍ طويلةٍ من المقارنات، والتفسيرات، والتجارب، التي جعلت صاحبها ينظر إلى الحياة من زاويةٍ واحدةٍ، إنها زاويةُ استكثار النِّعم على الآخرين، وتمنِّي زوالِها منهم.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يستفيد الشخص الحسود من رمضان؟
يأتي رمضان كل عام ليغيِّر كثيرًا في نفوس البشر الذين يرغبون في إصلاح أنفسهم؛ فهو يضيف إلى القلوب معاني كثيرة، تطهرها وتنقي سريرتها؛ ومن هنا يبدأ أثره في الشخص الحسود؛ إذ ينقله – رويدًا رويدًا – من الانشغال بما في أيدي الناس إلى الانتباه لما في داخله هو؛ فالصيام تدريبٌ رائعٌ على تهذيب الرغبات، ومن بينها تلك الرغبة الخفية في مقارنة النفس بالآخرين، ومع تكرار هذا التدريب يومًا بعد يوم، يهدأ صوت المقارنة، ويعلو صوت الرضا.
ومن أجمل ما يقدّمه رمضان أنه يعيد ترتيب الأولويات؛ فحين ينشغل الإنسان بصلاته، وصيامه، وقرآنه، يقلّ انشغاله بتفاصيل حياة الآخرين، ومع هذا التحول البسيط تتسع المسافة بينه وبين المقارنات التي كانت تستهلك طاقته؛ فيشعر بأن لكل إنسان رحلته الخاصة به، وأن ما عند غيره لا ينتقص مما عنده.
كما يمنح رمضانُ فرصةً نادرةً ليتعلم الإنسانُ فن الامتنان العملي؛ فليس الامتنانُ هنا كلماتٍ تُقال، بل إحساسًا يُعاش؛ فحين يجلس الإنسان إلى مائدةٍ بسيطةٍ بعد صيامٍ طويلٍ، فإنه يدرك قيمة ما بين يديه، ويشعر بالنعمة التي كان محرومًا منها، ومع تكرار هذا الشعور، يتكوّن داخله توازنٌ جديد، توازنٌ يجعله ينظر إلى ما لديه قبل أن ينظر إلى ما لدى الآخرين، وهذا التوازن هو أول علاجٍ حقيقيٍّ للحسد.
ومن المعاني الجديدة التي يزرعها رمضان في القلب اتساعُ مفهوم الرزق؛ فالرزق ليس مالًا أو منصبًا فقط، بل سكينةً، وصحةً، وأهلًا، وأولادًا، ووظيفةً؛ ومن ثَمّ يدرك أن لكل إنسانٍ نصيبَه المختلف، وأن ما عند غيره ليس بالضرورة أفضل مما عنده، بل هو مختلفٌ فقط، وهنا يهدأ الشعور بالمقارنة؛ لأن ميزان التقييم نفسه قد تغيّر.
كما أن أجواء رمضان تهيّئ الإنسان لمحبة الخير للناس؛ فحين يشارك غيره في الخير، أو يرى الناس يتعاونون ويتراحمون، فإنه قد يجرّب أن يفرح لفرح غيره دون أن يشعر بالنقص، وهذه التجربة البسيطة قد تعلّم القلب أن محبة الخير للناس لا تُنقص من نصيبه، بل تزيده صفاءً وراحةً.
كما أن لرمضان أثره في صفاء النية؛ فحين يعتاد الإنسان أن يعمل أعمالًا لا يراها أحدٌ إلا الله، يبدأ تدريجيًّا في التحرُّر من نظرة الآخرين ومن مقاييسهم، ومع هذا التحرر يضعف تأثير المقارنة، لأن قيمة الإنسان لم تعد مرتبطةً بما يملكه هو مقارنةً بما يملكه غيره، بل بما يقدّمه هو في خلواته مع ربه .. وهكذا يصبح رمضان رحلةً من ضيق المقارنات إلى سَعة الرضا، ومن الانشغال بالآخرين إلى الاهتمام بالنفس، ومن حسدٍ يرهق القلب إلى رضا وطمأنينة، ومَن أحسنَ استثمار هذه الرحلة، خرج بقلبٍ أطهر، ونفسٍ أنقى، ونظرةٍ أجمل للحياة، يحب فيها لغيره مثل ما يحب لنفسه، ويكره له مثل ما يكره لنفسه.
ولكن كيف نتعامل مع الشخص الحسود في رمضان؟
التعامل مع الشخص الحسود يحتاج قدرًا من الذكاء العاطفي والهدوء النفسي؛ لأنه في الغالب لا يُظهر ما بداخله صراحةً، بل يعبّر عنه بطريقةٍ غير مباشرةٍ، وفي رمضان تتاح لنا فرصةٌ مختلفةٌ للتعامل معه؛ فالأجواء نفسُها تساعد على تهدئة النفوس وفتح مساحاتٍ جديدةٍ للفهم والتقارب، لكن المهم هنا ألا نتعامل معه بالمواجهة أو الاتهام، بل بأساليب ألطف يمكن أن تغيّر نظرته دون أن يشعر بأنه شخصٌ مريضٌ.
ومن الأساليب المناسبة في التعامل مع هذ الشخص أن نُخرجه من دائرة المقارنة إلى دائرة المشاركة؛ فبدلًا من أن نتركه يراقب إنجازات الآخرين من بعيد، يمكن أن نُشركه في أعمالٍ جماعيةٍ، كإعداد إفطارٍ أو تنظيم عملٍ خيريٍّ؛ فالمشاركة قد تُغيّر زاوية النظر؛ فبدلًا من أن يرى الناس كمتفوقين عليه، يبدأ في رؤيتهم كشركاء معه، ومع هذا التحول قد يقلّ شعور المقارنة تدريجيًّا.
ومن الأساليب المناسبة أيضًا أن نعيد توجيه انتباهه إلى نفسه بطريقة غير مباشرة؛ فالشخص الحسود غالبًا ما ينشغل بما عند غيره؛ لذلك يمكن أن نلفت نظره – بلطفٍ – إلى نقاط قوته هو، لا بالمبالغة أو المجاملة، بل بإشاراتٍ واقعيةٍ تجعله يلاحظ ما لديه؛ فحين يبدأ الإنسان في رؤية نفسه بوضوح، تقلّ حاجته للنظر المستمر إلى الآخرين.
كما قد يفيد كثيرًا ألا نتعامل معه بأسلوبِ فرضِ النصيحة؛ فبدلًا من أن نقول له “لا تحسد”، يمكن أن نضعه في مواقفَ يعيش فيها معنىً مختلفًا، كأن نطلب منه أن يدعو لغيره، أو أن يشارك في تهنئةٍ صادقةٍ لشخصٍ ناجحٍ؛ فهذه المواقف قد تدرّب قلبَه على مشاعرَ جديدةٍ دون أن يشعر بأنه مجبرٌ عليها.
ومن الأساليب المناسبة أيضًا أن نقلل المثيرات التي تُغذّي المقارنة؛ فبعض الأحاديث أو التفاصيل قد تثير عنده هذا الشعور دون قصد، مثل التركيز المستمر على نجاحات الآخرين أو المقارنات بين الناس؛ لذلك من الحكمة أن نجعل حديثنا معه أكثر توازنًا، حديثًا خاليًا من المقارنات أو النظر إلى النعم التي لدى الآخرين، وحتى عندما نتحدث عن نجاحات الآخرين لا بد أن نذكُر الجهد والتعب الذي بذله الآخرون لكي يحققوا هذا النجاح.
كما يمكن أن نساعده من خلال تعليمه الفرح للآخرين؛ فليس مطلوبًا منه أن يتغير فجأةً، بل يمكن أن يبدأ بخطواتٍ بسيطةٍ، مثل: كلمة تهنئة، دعاء طيب، مشاركة صغيرة، ومع الوقت قد يكتشف أن مشاركةَ الآخرين فرحتهم أفضلُ بكثيرٍ من تمني زوال النعم منهم.
ومن الأمور المهمة أيضًا أن نُشعره بالأمان لا بالمنافسة؛ فالشخص الحسود يعيش وفي داخله شعورٌ بأنه مهددٌ أو أقل من غيره؛ فإذا تعاملنا معه بأسلوبٍ يُشعره بأنه مُقدَّرٌ ومقبولٌ، فإنه قد يقلّ هذا الشعور لديه تدريجيًّا؛ وبالتالي تقلّ حاجته للمقارنة.
كما يمكن أن نستخدم أسلوبًا جميلًا في رمضان، وهو ربط القلوب بمعاني أوسع من المقارنة، كأن نتحدث عن الرضا، وعن تنوع الأرزاق، وعن أن لكل إنسان طريقه الخاص؛ فهذه المعاني إذا قُدمت بلطفٍ، فإنها قد تفتح له بابًا جديدًا للتفكير دون أن يشعر بأنه مستهدفٌ بالكلام.
وأخيرًا فإن من أهم ما يساعد في التعامل مع هذه الشخصية الصبرَ وعدمَ الاستعجال؛ فالحسد لا يتكون في يوم، ولن يزول في يوم، لكنه قد يضعُف تدريجيًّا حين يجد صاحبُه بيئةً لا تغذيه، وأشخاصًا لا يضغطون عليه، وتجاربَ تعلّمه بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ أن الحياة ليست مقارنةً، بل رحلةً خاصةً لكل إنسان.
وهكذا يكون التعامل مع الشخص الحسود في رمضان قائمًا على التقارب لا التصادم، وعلى التوجيه الهادئ لا التوبيخ، وعلى المشاركة في الخير لا فرض النصيحة، ومع هذا الأسلوب قد نكون سببًا في أن يرى نفسَه والحياةَ بشكلٍ أفضل؛ فيهدأ قلبه، ويخفّ عنه ما كان يُثقِل روحه دون أن يدري.
وفي الختام ليكن رمضانُ بدايةَ عهدٍ جديد، تُغلَق فيه أبوابُ المقارنة، وتُفتح فيه نوافذُ الرضا؛ فإن القلوب التي تعتاد الرضا لا تُرهقها نِعمُ الآخرين، ولا يزعجها اختلافُ الأرزاق؛ لأنها أدركت أن لكل إنسانٍ نصيبه؛ فطوبى لمن خرج من رمضان بقلبٍ نقيٍّ، لا يحمل إلا المحبة، ولا يعرف إلا الصفاء.
ثم إن الحسدَ نارٌ تأكل صاحبها قبل غيره، والرضا نورٌ يُضيء قلبَه قبل طريقه؛ فاختر لنفسك نورًا يهديك، ولا تختر نارًا تؤذيك، واجعل من رمضان بدايةَ قلبٍ جديد، لا يحسد فيتعب، ولا يقارِن فيشقى، بل يرضى فيسعد، ويحب لغيره الخير فيرتقي.
كل رمضان أنتم أكثر رضا بما قسم الله لكم، وفرحًا بما لدى الآخرين من نِعَم، وحكمةً في التعامل مع أصحاب الشحصية الحسودة 🌙











