أيام التشريق.. توسعةٌ من الرحمن وذكرٌ يجدد الإيمان
بقلم : د/ دينا سامي – عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
……………………………………………………………………..
بعد انقضاء ليالي العشر من ذي الحجة وحصول الاجتهاد والدعاء في يوم عرفة ويوم النحر، لا تنقضي نفحات القرب من المولى- جل وعلا – بل تمتد الرحمة الإلهية في أيام التشريق الثلاثة ؛ فهى أيام أرادها الله فسحةً للقلوب والأبدان معاً ، يجتمع فيها سرور العيد مع دوام العبودية، وتلتقي فيها نعمة التوسعة مع عبادة الذكر.
وفي هذه الأيام المباركة تتجلى عظمة الإسلام في تحقيق التوازن بين متطلبات الروح وحاجات النفس؛ فلا يمنع الفرح الذكرَ، ولا تشغل النعمة عن المنعِم سبحانه، لذلك وصفها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ” إنها أيامُ أكل وشرب وذكرٍ لله” فيبقى القلب حاضراً مع الله في أوقات البهجة والسرور .
التعريف بأيام التشريق وسر تسميتها بذلك
تُعدُّ أيام التشريق من الأيام المباركة في موسم الحج، وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر، أي : الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة ، وسُمِّيت هذه الأيام بالتشريق ؛ لأن الناس كانوا يُـشَرِّقون لحوم الأضاحي أي : يقطعونها وينشرونها في الشمس ؛ لتجف وتحفظ من الفساد ؛ نظراً لكثرة الذبائح والهدايا في موسم الحج وهذا أقوى الأراء ، وقيل: لأن ذبح الأضاحي كان يقع بعد شروق الشمس يوم النحر ، وقيل: لارتباطها بإشراق النهار وصفاء تلك الأيام المباركة.
الفرق بين الأيام المعدودات والأيام المعلومات
الأيام المعدودات : هي أيام التشريق الثلاثة وهي أيام منى ورمي الجمار، سميت معدودات لقلتهن كقوله ” دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ” (يوسف: 20)
والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر، هذا قول أكثر أهل العلم، وروي عن ابن عباس: المعلومات : يوم النحر، ويومان بعده ، والمعدودات : أيام التشريق، وعن علي رضي الله عنه قال: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، وقال صلى الله عليه وسلم : ” أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه “ويسمي اليوم الثاني من أيام التشريق بيوم الرؤوس؛لأن الحجاج وأهل منى كانوا يأكلون فيه رؤوس الذبائح والأضاحي التي ذُبحت يوم النحر، فاشتهر بهذا الاسم، وقد خطب النبي ﷺ الناس فيه بمنى؛ تأكيدًا لمعاني التوحيد، وتعليمًا للمناسك، وربطًا بين التوسعة على العباد ودوام ذكر رب العباد
وهذه الأيام يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر .
السر في النهي عن صيام أيام التشريق
وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشرب سر لطيف ، وهو لما علم الله ما يلاقيه الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وجهاد النفس ، وقضاء المناسك ؛ شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، وأمرهم بالأكل من لحوم هديهم فهم في ضيافته عزوجل لطفاً ورأفة ورحمة ، وشاركهم في ذلك أيضاً جميع المسلمين في كل البلاد ؛لأنهم شاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرب إلى الله جل وعلا بإراقة دماء الأضاحي ، فتفضل الله على الجميع في حرمة الصيام و الراحة أيام الأعياد بالأكل والشرب والدعوة إلى ذكره وشكره ، فكأن الكل في هذه الأيام في ضيافة الرحمن يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله فنهوا عن صيامها .
أهم أعمال أيام التشريق
وأيام التشريق من أكثر أيام الحج عملًا ومناسكاً، فمن أهم أعمال الحاج فيها: المبيت بمنى ليالي التشريق ، ورمي الجمرات الثلاث كل يوم بعد زوال الشمس ، الجمرة الصغرى ، .الجمرة الوسطى ، .جمرة العقبة الكبرى ، والإكثار من ذكر الله والتكبير؛ امتثالًا لقوله تعالى:
“واذكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” (البقرة: 203)
والحكمة في رمي الجمار: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ورفعه قال: «لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض» . قال ابن عباس: «الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون» (المستدرك للحاكم )
تفسير الأمر بالذكر بالتكبير
وما دامت الأيام المعدودات هي أيام التشريق فإن الأمر بذكر الله فيها فسر بالتكبير في أدبار الصلوات ، وعند ذبح الهدي ، وعند رمي الجمار ولقد ورد: أن سيدنا عمربن الخطاب – رضي الله عنه – كان يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد، فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً ، وكان ابن عمر – رضي الله عنهما – يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعا ، وكانت ميمونة – رضي الله عنها – تكبر يوم النحر، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد. رواه البخاري
وهذا الأثر يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكبر الله في هذه الأيام ليس فقط عقب الصلوات وعند ذبح الأضاحى أو رمي الجمار ، وهو يأوي إلى راحته أو فراشه ، فهي دلالة على الذكر المتصل لله في أيام منى وذلك يتلائم مع دلالة الأمر وشمولها بكل ألوان الطاعة والعبادة ، ومن دلالة العام ذهب بعض العلماء أن المراد بالذكر في الآية لديهم التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وأي لون من ألوان الذكر لله عز وجل فالأمر فيه سعة .
شعار الحج هو التيسير ورفع الحرج
ومن أعظم ما يبرز جمال الشريعة في الحج أن هذه العبادة العظيمة ـ رغم كثرة مناسكها وتعدد أعمالها ـ شعارها هو التيسير ورفع الحرج
ويتجلى ذلك بوضوح في قوله تعالى:﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (البقرة 203)
ففي هذه الآية يفتح الله للحاج باب السعة واليسر ؛ فيخيره بين التعجل في الخروج من منى بعد اليوم الثاني عشر، أو التأخر إلى اليوم الثالث عشر، دون تضييق أو مشقة أو حرج، ما دام ملتزمًا حدود الله وآداب النسك.
إنها رسالة قرآنية بديعة تؤكد أن المقصود من العبادة ليس إرهاق الأبدان، وإنما تحقيق التقوى وتعظيم الرحمن ، ولذلك ساوى القرآن بين المتعجل والمتأخر في نفي الإثم، ليعلِّم الأمة أن أبواب الطاعة قد تتنوع، وأن التيسير مقصدٌ أصيلٌ في هذا الدين.
الوصول إلى التقوى غاية الحج العظمى
بعد الأمر بذكر الله في أيام التشريق كرر المولى -جل وعلا – الأمر بالتقوى فقال ” لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” إشارة إلى الغاية من العبادة وهي تقوى الله حق تقاه وبذلك تكون تلك الرحلة المباركة إلى الأرض المقدسة فرصة للتطهر من الذنوب والآثام والتزود بزاد التقوى المتجددة والخشية الموصولة والطاعة الخالصة .
فذكر الله في أيام التشريق هو حياة متجددة، وقوة للقلب، ونورٌ للإيمان في كل زمانٍ ومكان ، فاللهم إنا نسألك أن تتقبل من الحجيج حجهم وتردهم سالمين غانمين إلى أوطانهم ، وارزقنا لذَّة ذكرك وشكر نعمتك وحسن عبادتك، واجعلنا من الذاكرين لك كثيرًا، الشاكرين لآلائك، المعظِّمين لشعائرك وأن ترزقنا حج بيتك الحرام وزيارة نبيك عليه أفضل الصلاة والسلام.











