يوم التروية.. ماءٌ للحجيج ويقينٌ سار في قلب الخليل عليه السلام
بقلم : د / دينا سامي – عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
…………………………………………
مع إشراقة يوم التروية ، ذلك اليوم المبارك الثامن من ذي الحجة الذي يعد أول محطات النسك الفعلية إلى المشاعر المقدسة ، حين يغادر الحجيج مكة إلى منى ، معلنين بداية الانتقال من نية الحج إلى مباشرة أعماله ومناسكه ، ينتقل الحاج ليتزود ويرتوي بالماء استعداداً للنسك وتأهباً للوقوف في أعظم مشاهد العبودية بين يدي الله تعالى على صعيد عرفات ، وفي هذا اليوم المبارك تروّى قلب الخليل – عليه السلام – في رؤياه، حتى استقر فيها نوراليقين، وانقلب السؤال تسليمًا وخضوعاً لأمر الله .
سر تسمية هذا اليوم بالتروية والمستحب فيه
يُعَدُّ يومُ التروية من الأيام العظيمة في شعائر الحج ، وفيه يبدأ الحجيج انتقالهم الفعلي إلى مشاعر الحج، استعدادًا للوقوف بعرفة في اليوم التالي؛ امتثالاً لقول حضرة النبي صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» .
ذكر العلماء في سبب تسمية هذا اليوم بـ يوم التروية عدة أقوال منها :
أن الحجاج كانوا يتروَّون فيه من الماء ؛ لأن المشاعر المخصصة للحج وهي منى وعرفات لم تكن تتوافر فيها المياه قديمًا، فكان الناس يملؤون أوعيتهم ويسقون دوابهم قبل التوجه إلى تلك المشاعر، فسُمِّي لذلك يوم التروية.
غير أن كتب التفسير والسير تذكر معنىً لطيفًا آخر ارتبط بالخليل إبراهيم عليه السلام، فصار يوم التروية في الوجدان الإيماني عنوانًا لتروِّي الخليل وتأمله في أمر الرؤيا ، وذلك عند تفسير قوله تعالى ” فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ” (الصافات 102)
فقد رُوي أن إبراهيم عليه السلام رأى في المنام أنه يذبح ابنه، فلما أصبح أخذ يتروّى: أهذه رؤيا من الله أم حديث نفس؟ فلما تكررت عليه الرؤيا ازداد يقينًا أنها وحيٌ من ربه؛ لأن رؤيا الأنبياء حق ، ومن هنا قيل: سُمِّي يوم التروية .وعلى هذا فتقدير اللفظ في الآية الكريمة : إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك ، أو: أنه رأى في المنام أنه يذبحه هو بشخصه أي : ولده إسماعيل – عليه السلام- ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي، وعلى هذا القول فالمرئي في المنام ليس إلا أنه يذبح ولده ( تفسير الرازي 26/346) .
وقال ابن عجيبة قدس الله سره : وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى ؛ إيذاناً بأن الأنبياء – عليهم السلام – قد تجوهرت نفوسهم أي : تسامت وعلت وصفت وزكت ووصلت إلى أعلى درجات الصدق واليقين في الله ، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم، وفيما يصدر عنهم، فهم صادقون مصدقون، فليس للشيطان عليهم سبيل، وإيذاناً بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق.
وإنما لم يقل: «رأيت» لأنه رأى مرة بعد أخرى، أي : تكررت الرؤيا بما لا يوجب معها ريب أوأدنى ذرة من شك .
فقد قيل: رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح ليعلم أمن الله هذا الحلم، أم لا، فسمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره، فسمي يوم النحر (البحر المديد لابن عجيبة (4/609)
المستحب للحاج من الأعمال في يوم التروية
يوم التروية يومُ إعدادٍ واستعداد، وفيه جملة من الأعمال المستحبة للحاج، منها:
الإحرام بالحج للمتمتع : فالمتمتع الذي أنهى عمرته وتحلل منها، يُستحب له أن يُحرم بالحج صباح يوم التروية من مكانه الذي يقيم فيه بمكة، ثم يلبي قائلًا : ” لبيك اللهم لبيك ”
التوجه إلى منى : كما يُسن للحجاج التوجه إلى منى في هذا اليوم اقتداءً بحضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، حيث صلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
الإكثار من التلبية والذكر والتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء، فهذه أيام ذكرٍ وشعائر.: فالحاج يرفع صوته بالتلبية وهذا الرفع للرجال دون النساء فالتلبية ورفع الصوت تكون للرجال امتثالاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ” أتاني جبريل ، فأمرني أن آمر أصحابي ، أو من معي، أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية ، أو بالإهلال” وورد عن الإمام مالك رضي الله عنه : أنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية ، لتسمع المرأة نفسها وذلك من باب التخفيف والتيسير عليها كما ذكرنا سابقاً .
يعد هذ اليوم بمنزلة التهيئة الإيمانية والنفسية للوقوف بعرفة
يوم التروية كأنه ممر نفسي إلى عرفات إذ يشعر الحاج بأن أيام الحج قد دخلت مرحلتها الأعظم ، فيزداد تعلقه بالله وشوقاً إلى عرفات ، تاركاً وراءه مشاغل الدنيا وزحامها، ليبدأ رحلة التخفف الداخلي والاستعداد للقاء يوم عرفة؛ يوم الدعاء والمغفرة والعتق من النار. وكأن هذا اليوم مساحةٌ زمنية يمنحها الشرع للحاج ليجمع شتات قلبه، ويستحضر عظمة المقصد الذي ينتظره ، فلا تتفاجأ النفس بالمقام العظيم ، بل يمنح الحاج فرصة للتأمل والدعاء والمراجعة قبل يوم المناجاة الأكبر ً قيرتوي بالإيمان والصبر واليقين استعداداً لعطش الروح إلى رحمة الله في عرفات ، فمن أحسن إعداد قلبه في يوم التروية ، كان أقدر على أن يعيش نفحات عرفة بوعي وخشوع وحضور قلب .
بالنسبة لغير لحاج هل له نصيب من هذا اليوم ؟
لا يترتب على غير الحاج أعمال مخصوصة مرتبطة بيوم التروية كالحاج، لكن هذه الأيام كلها من أيام عشر ذي الحجة المباركة التي يُستحب فيها الإكثار من الأعمال الصالحة : من الدعاء والذكر والصيام والنوافل ، وقراءة للقرآن الكريم ، وصلة الأرحام ، والقربات لله تعالى بأي طريق ميسر على العبد فكلها من الأعمال الصالحة فقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله لم رجع من ذلك بشيء”
وفي ختام الحديث عن يوم التروية الذي هو يوم تزود واستعداد ، ارتوى فيه الحجيج بالماء استعداداً للمشاعر ، وارتوى فيه قلب الخليل بيقين الوحي فمضى مطمئناً منقاداً مستسلماً لأمر ربه، نسأل الله أن يرو قلوبنا بصفاء المعرفة والإيمان ، والثبات والطمأنينة وحسن الظن به ، وأن يجعل لنا من هذه الأيام أوفر الحظ من البركات والمكرمات ، ويجعلنا ممن يرتوون من ينابيع رحمته فلا يظمؤون بعدها أبداً ، اللهم إنا نسألك بكرمك وفضلك ومنك يا كريم أن تتقبل من الحجاج حجهم ، وأن تحفظ بلادنا وبلاد الحرمين الشريفين وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ، وأن ترزقنا حج بيتك الحرام وزيارة الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام .











