بقلم : د / دينا سامي عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
—————————————–
ليست العبرة أن نبدأ الطاعة بقوة، بل أن نثبت عليها بصدق ، فالاستقامة هي سرّ القبول، وعلامة المحبة، ودليل أن القلب ذاق حلاوة القرب من الله.
وفي شهر رمضان، تربت النفوس على الاستقامة؛ صلاةٌ لا تنقطع، وقرآنٌ لا يُهجر، وطاعةٌ تُصاحبها خشية ورجاء قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تتنزل عليهم الملائكة أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ( فصلت : ٣٠ ) .
آيةٌ تحمل أعظم البشرى لمن ثبَت، وأجمل الوعد لمن صدق.
والاستقامة: كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق.
وقد وردت الاستقامة في آيات كثيرة في القرآن الكريم منها قوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. سورة هود (الآية 112)
وروي عن الحسن البصري أنه قال: لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم شمروا شمروا، وما رؤي بعد ضاحكا .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أشد من هذه الآية ولا أشق»
وورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على أهميتها : ففي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم»
وطريق الله يسمى : المستقيم ، ونحن في كل صلاة نسأله سبحانه أن يهدينا ويثبتنا على الطريق المستقيم قال تعالى { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ( الفاتحة : ٦) ، وقال تعالى ” وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ “( الأنعام 153)
ومعناها : الزموا المنهج القويم، وابتعدوا عن الطغيان، لأنه- سبحانه- مطلع على أعمالكم اطلاع المبصر، العليم بظواهرها وبواطنها، وسيجازيكم يوم القيامة عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب.
قوله: ولا تتبعوا السبل يعنى: الأديان الباطلة، والبدع والضلالات الفاسدة فتفرق بكم عن سبيله أى: فتفرقكم عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لكم.
روى الإمام أحمد عن سيدنا عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاًعن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ : ” وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ”
أفرد- سبحانه- الصراط المستقيم وهو سبيل الله، وجمع السبل المخالفة له ؛ لأن الحق واحد ، والباطل ما خالفه وهو كثير فيشمل الأديان الباطلة، والبدع الفاسدة، والشبهات الزائفة، والفرق الضالة ، والمفاهيم الخاطئة المغلوطة ، والأفكار الهدامة وغيرها.
والاستقامة كما يقول أهل الله خير من ألف كرامة .
يحكى أنه لازم أحد المريدين سيدي الشيخ عبدالقادر الجيلاني- قدس الله سره- خمس سنين فقال لسيدى عبدالقادر : قد لازمتك خمس سنين ما فارقتك لحظة فلم أرى منك كرامة .! فقال له سيدي عبد القادر الجيلاني : أعوذ بالله هل رأيتني قد تركت فرضا من فروض الله ؟
فقال له الرجل :لا فقال سيدى عبد القادر :فهل رأيتني قد تركت سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال المريد : لا والله فقال له سيدي عبدالقادر : هذه والله هي الكرامه فالاستقامة خير من ألف كرامة ..!
وفي مسند الإمام أحمد عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتَّى يستقيم لسانه “.
وفي صحيح مسلم عن سيدنا سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ قال: “قل آمنت بالله، ثم استقم»
فالاستقامة بعد رمضان هي علامة القبول
ولقد كان السلف الصالح يقولون: إن ثواب الحسنة فعل الحسنة بعدها ، فالذي يحافظ على صلاته بعد رمضان، ويثبت على ذكره وقرآنه، قد حمل معه روح رمضان طوال العام، أما الانقطاع الكامل بعد رمضان، فهو خسارة لثمرة الشهر لا لنفس الشهر ، فالله لم يأمر بالصوم قائلاً ومؤكداً على أن الجميع يحصل له التقوى بل جعلها الثمرة المرجوة فقال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ( البقرة : ١٨٣)ولم يقل ( لأنكم تتقون ) ، والاستقامة لا تعني الحركات الظاهرية فقط في العبادات ، بل تشمل : استقامة القلب: من حيث إخلاص النية لله تعالى قال صلى الله (إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء مانوى )
وتشمل : سلامة الصدر من الحقد والحسد قال النبي ﷺ: “.ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهوالقلب ” فالقلب المستقيم هو أساس كل طاعة ثابتة.
جاء في حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الرجل الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ثلاث مرات في ثلاثة أيام, فتابعه سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ ليقتدي به، فبقي معه ثلاثة أيام فلم يرَ عملاً زائداً على عمله، ولم يقم من الليل شيئاً, إلا أنه إذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبره حتى يقوم لصلاة الفجر، ولم يسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الثلاث ليال كاد أن يحتقر عبد الله عمل الرجل، فسأله وقال: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: ما هو إلا ما رأيتَ غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله بن عمرو: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق . الحديث أخرجه الإمام النسائي .
والاستقامة تشمل أيضا : اللسان فكم من عملٍ ضاع بسبب لسان! فالاستقامة الحقيقية تظهر في: صدق الكلام وترك الغيبة والنميمة ، والكلمة الطيبة وذكر الله بدل لغو الحديث قال ﷺ: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت” فاللسان مرآة القلب، واستقامته دليل حياة الإيمان.
وبمقدور المسلم أن يفعل في غير رمضان ما فعل فيه من الخير والعبادة كذلك، فكما أمسك المسلم في رمضان عن المفطرات، واجتنب كل ما يفسد الصوم من الأقوال والأفعال، وابتعد عن الوقوع في مواطن الإثم، وراقب الله تعالى في السر والعلانية، فخرج من مدرسة الصيام طيِّبَ النفس، حسنَ الخُلُق، ومِن ثَمَّ يمكنه أن يستقيم بعد رمضان، ولا يخفى أن ترسيخ هذه المعاني يحقِّقُ صلاح الأمة والمجتمع، وهي من مقاصد عبادة الصوم التي تقوم بغرس هذه الأخلاق النبيلة في أفراد الأمة فردًا فردًا.
فاللهم يا من هدينا إلى طريق الاستقامة، نسألك أن تجعلنا من الذين قالوا: “ربنا الله” ثم استقاموا،اللهم ثبت قلوبنا على دينك، وبارك خطواتنا على طريق الحق، واهدنا لما تحب وترضى،اللهم اجعلنا في الدنيا من المستقيمين، وفي الآخرة من الفائزين، ولا تجعلنا من الغافلين،
اللهم اجعلنا ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وألهمنا الصبر والثبات على طاعتك،واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ووفقنا للخير حيثما كنا وصلى الله على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً .











