بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
تتميّز الشخصية الاستعراضية بالسعي الدائم إلى لفت الانتباه، سواء بالكلام أو بالمظهر أو بطريقة السلوك؛ ففي المجالس تميل إلى تصدّر الحديث، وربط الموضوعات بتجاربها الخاصة، وقد تقاطع الآخرين أحيانًا لا بدافع التقليل منهم، بل بدافعٍ لا شعوري يعيد الضوء إليها؛ فهي تشعر بالارتياح حين تكون محور الحديث، وبشيء من الضيق إذا انتقل الاهتمام إلى غيرها.
فالشخص الاستعراضي يشعر في أعماقه بحاجةٍ ملحّة إلى أن يُرى ويُلاحظ ويُسمع، إنّه لا يطمئن تمامًا إلا حين يشعر بأن العيون تتجه نحوه، وأن كلماته تلقى صدىً، وأن حضوره واضحٌ لا يمر مرورًا عابرًا، هذه هي الملامح الأولى للشخصية الاستعراضية؛ شخصيةٌ لا تبحث فقط عن المشاركة، بل عن الصدارة، ولا تكتفي بالحضور، بل تريد أن يكون حضورها لافتًا.
ومن سماتها البارزة أيضًا الاهتمام المفرط بالمظهر الخارجي؛ فالمظهر هنا ليس مجرد عناية طبيعية بالنفس، بل وسيلة للتأثير وجذب الأنظار؛ فإذا لم يجد التفاعل المتوقع، قد يشعر بالانزعاج، أو يسعى بطريقة أخرى لاستعادة الاهتمام .. وفي بيئة العمل أو الدراسة قد يميل الشخصي الاستعراضي إلى إبراز دوره في أيّ إنجاز، ويحب أن يُذكر اسمه بوضوحٍ أمام الجميع، ويفضّل الإشادة العلنية التي تؤكد حضوره ومكانته.
وفي النقاشات يحرص غالبًا على أن تكون له الكلمة الأخيرة؛ حتى يعيد صياغة فكرة قيلت سابقًا بأسلوبه الخاص ليبدو أكثر تأثيرًا .. أما في وسائل التواصل الاجتماعي فتظهر هذه السمات بوضوح أكبر؛ حيث يستخدم النشر المتكرر للصور والإنجازات والتفاصيل اليومية كوسيلةٍ مستمرةٍ للحضور والبقاء في دائرة الضوء.
ومع ذلك من المهم أن نُدرك أن هذه السمات قد توجد بدرجاتٍ متفاوتة؛ فحبّ الظهور في حدوده المعقولة سلوكٌ إنسانيٌّ طبيعي، وقد يكون دافعًا للإنجاز والإبداع، لكن حين يصبح لفتُ الانتباه حاجةً ملحّة لا يهدأ صاحبها دونها، وتتحول المواقف الاجتماعية إلى مسرحٍ دائم، عندها نكون أمام شخصيةٍ استعراضيةٍ، لا يشغل بالها إلا فكرةٌ واحدةٌ: أن أكون في مركز المشهد، وأن يبقى الضوء مسلطًا عليّ.
ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصية الاستعراضية؟
تبدأ ملامح الشخصية الاستعراضية منذ الطفولة، حين يتعلم الطفل كيف يرى نفسه من خلال عيون مَن حوله؛ فإذا نشأ في بيئةٍ تُكافئه فقط حين يلفت الانتباه، أو لا تمنحه الاهتمام إلا عندما يبالغ في التعبير أو يُثير الضحك أو الإعجاب؛ فقد يترسخ داخله اعتقاد غير مباشر مفاده “الآخرون لا يحبونني إلا عندما أنجح في جذبهم ولفت انتباههم”، وهكذا يبدأ في ربط قيمته الذاتية بمدى استجابة الآخرين له.
وفي بعض الحالات قد تكون البيئة الأسرية متقلبةً في منح الاهتمام؛ أحيانًا يكون الطفل محطّ إعجاب مفرط، وأحيانًا يُهمَل أو يُقارن بغيره، وهذا التذبذب قد يدفعه إلى البحث المستمر عن وسائل تجعله مرئيًّا ومؤثرًا؛ حتى يضمن لنفسه مكانًا ثابتًا في دائرة الانتباه داخل الأسرة.
كما أن المقارنات المتكررة بين الإخوة، أو الإشادة المبالغ فيها بالشكل والمظهر دون التركيز على الجوهر، قد تُعزز لديه فكرة أن القبول مرتبطٌ بالصورة التي يقدمها للناس، لا بما يشعر به في داخله .. ولا يقتصر الأمر على الأسرة وحدها، فبعض البيئات المدرسية أو الاجتماعية تُعلي من قيمة الظهور والتميز الخارجي، وتكافئ من يجذب الأنظار؛ فيتعلم الفرد أن حضوره القوي هو طريقه للنجاح والقبول.
ومع مرور الوقت يتحول هذا السلوك إلى نمط ثابت؛ فيبدأ الشخص في استخدام المظهر والحديث والمواقف الاجتماعية كأدواتٍ مستمرة للحفاظ على مكانه في دائرة الضوء.
وغالبًا ما تخفي الشخصية الاستعراضية حاجةً داخلية للشعور بالقيمة والاعتراف؛ فهي لا تسعى للظهور لمجرد الظهور، بل لأن الانتباه يمنحها إحساسًا مؤقتًا بالأمان والقبول، ومع تكرار هذا الأسلوب في التعامل مع العالم، يصبح حب الظهور عادةً نفسية، فتتحول المواقف الاجتماعية إلى مسرحٍ دائم، يحتاج فيه الشخص إلى تصفيقٍ مستمر؛ ليطمئن إلى أنه ما زال مرئيًا ومُقدَّرًا.
والسؤال الآن كيف يكشفُ لنا رمضانُ هذه الشخصيةَ الاستعراضية؟
حين يكون الشهر الكريم قائمًا على الإخلاص والخفاء تنكشف تلك الشخصية الاستعراضية؛ حيث يظهر بوضوح مَن يجد صعوبة في الاكتفاء بالعمل الخفي، ويحتاج إلى أن يعلن عن أفعاله بصور توثق عمله وكلماتٍ تُذكِّر به.
ففي ميادين العمل الخيري حيث يُفترض أن يكون العطاء خفيًّا قدر الإمكان، قد يميل صاحب هذه الشخصية إلى توثيق كل خطوة، والحرص على أن يُعرَف دوره بوضوح، وأن يُذكَر اسمه عند الحديث عن هذا العمل؛ فهو يحتاج دائمًا إلى اعترافٍ خارجي يؤكد حضوره.
أما في أجواء العبادة حيث الخشوع والسكينة، فقد يظهر الفرق بين من يذوب من الخشوع، ومن يظل يراقب نظراتِ مَن حوله؛ فالشخصية الاستعراضية قد تجد في التجمعات الكبيرة مساحةً إضافيةً للفت الانتباه، من خلال اختيار موقعٍ بارز، أو إظهار انضباطٍ لافت، أو مشاركةٍ مكثفةٍ في كل نشاطٍ جماعي، ولا يكون ذلك بدافع الرياء الواعي دائمًا، بل أحيانًا يكون بدافعٍ داخلي يجعل لديه حاجةً للفت الانتباه حتى في أكثر اللحظات روحانية.
وفي مجالس الإفطار قد يتجلّى الأمر حين يتحول الحديث عن الأمور العائلية إلى عرضٍ لتفاصيل خاصة بالشخص الاستعراضي، تجعل الحديث يتمركز حوله، حيث يكون المقصود هنا إبراز الذات في كل مناسبة، حتى يصبح المجلسُ مسرحًا صغيرًا، ويغدو الحضور جمهورًا ينتظر الشخصُ الاستعراضي منهم التعليقَ والابتسامَ والإعجاب.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي في رمضان تصبح مرآةً أخرى تكشف هذه السمات؛ فمع تزايد الصور الرمضانية، وموائد الإفطار، وأجواء التراويح، قد يتحول الشهر إلى سلسلة من الصور والمنشورات التي تبرز الحضور الشخصي في أيّ عمل، ومع كل تفاعلٍ جديد، يتجدد الإحساس بالظهور، ويُقاس أثر المشاركة في العمل بعدد الإعجابات والتعليقات، لا بقيمة العمل ذاته.
وهكذا يكشف رمضان الشخصية الاستعراضية عبر المواقف التي تتطلب بساطةً وهدوءًا وعملًا لا ينتظر تصفيقًا، حيث يكشف رمضان عن التباين بين روح الشهر القائمة على الإخلاص، وبين حاجة الشخص الاستعراضي المستمرة إلى لفت الانتباه إليه.
كيف يمكن أن يستفيد الشخص الاستعراضي من رمضان؟
الصيام في جوهره تدريبٌ على الانضباطِ وتأجيلِ إشباع الرغبات، ومع الوقت قد يتعلم صاحب هذه الشخصية أن يؤجل حاجته إلى لفت الانتباه، وأن يختبر لذة الصمت والعمل في الخفاء؛ فحين يشارك في عملٍ لا يُذكر فيه اسمه، أو يؤدي عبادةً لا يراه فيها أحد، يبدأ في اكتشاف نوع مختلف من الطمأنينة، إنها طمأنينة لا تحتاج إلى جمهور .
وإذا كان الاهتمام بالمظهر سمةً بارزةً في الشخصية الاستعراضية، فإن رمضان – بطابعه البسيط – يخفف من هذا الاهتمام؛ فالجميع يرتدون ما تيسر، ويجتمعون على مائدة واحدة، ويقفون صفًّا واحدًا، وهذا قد يدفعه إلى إعادة التفكير في مقدار ما يمنحه للمظهر من أهمية، ومع الوقت قد يكتشف أن حضوره لا يتضاءل حين يقلّ اهتمامه بمظهره، وأن هناك أمورًا أخرى تستحق الاهتمام أكثر من المظهر.
ولأن كثيرًا من السعي إلى الانتباه يُخفي حاجةً إلى الشعور بالقيمة، فإن رمضان – بما يحمله من معاني الصدق والإخلاص – يمنح الإنسان فرصةً لبناء قيمةٍ داخلية لا تعتمد على ردود أفعال الآخرين؛ حيث يشعر بأن ثوابه أعظم وتقديره لدى ربه أعلى وأفضل عندما يحرص على الطاعة في الخلوات، ويؤدي العبادةَ بعيدًا عن الأعين والكاميرات؛ فعندها تقل حاجته لإثبات قيمته من خلال لفت انتباه الآخرين إليه، لأنه وجد قيمته من طريقٍ آخر أفضل وأعظم.
كما أن رمضان لا يطلب من الشخصية الاستعراضية أن تُلغي طاقتها الاجتماعية، بل أن تعيد توجيهها؛ فحبّ الظهور يمكن أن يتحول إلى قدرةٍ على تحفيز الآخرين، أو إلى مهارةٍ في تنظيم المبادرات، أو إلى روحٍ تبثّ الحماس في المجالس، دون أن تجعلها تدور حول شخص واحد، وحين يُعاد توظيف هذه الطاقة لخدمة العمل الخيري لا لالتقاط الصورة، يصبح الأمر مصدر نفعٍ لا موضع انتقاد.
وهكذا يمكن لرمضان أن يكون محطةً يراجع فيها الشخص الاستعراضي نفسه، من خلال تهذيبها وإعادة توجيهها؛ فهو شهرٌ يعلّمنا أن الضوء الحقيقي ليس ما يُسلَّط علينا، بل ما يُشرق من داخلنا، وأن أعظم الحضور هو ذاك الذي لا يحتاج إلى إعلان، وأن أصدقَ الإنجاز هو ما يبقى أثره ولو غاب اسمُ فاعله.
ولكن كيف نتعاملُ مع الشخصِ الاستعراضي في رمضان؟
التعامل مع الشخصي الاستعراضي في رمضان يحتاج فهمًا لطبيعته قبل الحكم عليه؛ فهو لا يسعى إلى الإزعاج بقدر ما يسعى إلى الشعور بالحضور، ولذلك قد يكون من المفيد أولًا إشباع حاجة هذا الشخص للاهتمام بطريقةٍ صحيةٍ ومنضبطة، فبدلًا من تجاهله تمامًا – مما قد يدفعه إلى مضاعفة محاولاته للفت الانتباه – يمكن منحه مساحةً محددةً وواضحةً للحضور، كأن يُطلب منه إدارة فقرةٍ قصيرةٍ في اللقاء، أو تنسيق نشاطٍ رمضاني، أو تقديم فكرةٍ لمبادرة خيرية؛ فحين يحصل على اعترافٍ منظمٍ بدوره، يقل اندفاعه العشوائي للفت الانتباه طوال الوقت.
ومن الجوانب المهمة أيضًا إعادة توجيه حبّه للظهور نحو خدمة العمل لا لالتقاط الصورة؛ فالشخصية الاستعراضية غالبًا ما تمتلك حضورًا اجتماعيًا جيدًا، وقدرة على التأثير في الآخرين، ومن الممكن استثمار ذلك في تشجيعها على تحفيز الناس للمشاركة في الخير، أو نشر رسائل إيجابية بأسلوبٍ جذّاب؛ فحين تشعر أن حضورها يصنع أثرًا حقيقيًا، يتراجع تركيزها على مجرد لفت الأنظار.
كما أنه من المفيد تقليل المقارنات أمام الشخص الاستعراضي خاصة في رمضان؛ حيث يكثر الحديث عن من يختم القرآن أكثر أو يتبرع أكثر أو يصلي أكثر؛ فالمقارنة قد تدفعه إلى استعراضٍ أكبر لإثبات الذات، فمِن الأفضل هنا أن يكون الخطابُ عامًّا هادئًا يركز على المعنى الجماعي لا الإنجاز الفردي؛ حتى لا يتحول الجو الروحي إلى ساحةِ تنافسٍ على الظهور.
ومن الأساليب النافعة كذلك تعزيز التقدير غير المرتبط بالمظهر؛ فإذا كان الشخص الاستعراضي معتادًا على تلقي الثناء بسبب شكله أو حضوره اللافت، يمكن توجيه الإشادة نحو صفاتٍ أفضل: كالتنظيم، أو روح المبادرة، أو قدرته على جمع الناس؛ فهذا التحوُّل التدريجي في نوع التقدير يساعده على بناء صورةٍ ذاتية أكثر استقرارًا وأقل اعتمادًا على المظهر الخارجي.
كذلك من المفيد أن نعلمه – بلغة بسيطة – قيمة الخفاء، لا عبر الوعظ المباشر، بل عبر نماذجَ عمليةٍ؛ فعندما يرى أن بعض الأعمال العظيمة تتم في صمت، وأن أصحابها يحظَون باحترامٍ كبيرٍ دون ضجيج، قد يبدأ في إعادة التفكير في أسلوبه؛ فالتأثير أحيانًا يكون بالقدوة أكثر من النصيحة.
وفي الختام أقول إنّ مَن أحسَنَ فهم رسالة الشهر الفضيل، استطاع أن يحوَّل حبَّ الظهور إلى حبِّ الأثر، وأن يجعل من صوته دعوةً للخير لا حديثًا عن النفس؛ فليس المطلوب أن يختفي الإنسان، بل أن يسمو؛ وليس أن ينطفئ حضورُه، بل أن يصفو قصدُه؛ فبين العبادةِ وحبِّ الظهور مسافةٌ يصنعها الإخلاص، وبين الحقيقة والصورة فرقٌ يصنعه الصدق.
فليكن رمضان فرصةً لأن نراجع دوافعنا قبل أعمالنا، وأن نُصلح بواطننا قبل ظواهرنا، وأن نبحث عن قيمةٍ لا تحتاج إلى إعلان، وأثرٍ لا ينتظر الامتنان.
كل رمضان أنتم أصدق قصدًا، وأجمل أثرًا، وأكثر حكمةً في التعامل مع الاستعراضيين🌙.






