بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
الشخصية الدوجماتية تحمل نمطًا فكريًّا يقوم على الجمودِ الذهني والتعصب الشديد للأفكار؛ حيث يتعامل صاحبُها مع معتقداته وكأنها حقائقُ نهائية لا تقبل الشك أو المراجعة، ويؤمن إيمانًا مطلقًا بأن رأيه هو الصواب الوحيد، ويرفض الرأيَ الآخر رفضًا قاطعًا، حتى إذا ظهرت أدلةٌ واضحةٌ تثبت خطأ ما يعتقده، وهو لا يكتفي بالتمسك بأفكاره، بل يسعى إلى فرضها، ويميل إلى السيطرة على النقاش وتوجيهه إلى ما يخدم قناعاته، وقد يُظهِر عدوانيةً واضحةً في دفاعه عن آرائه.
كما أنه يتسم بالانغلاق الذهني؛ فلا يستطيع استيعاب وجهات النظر المغايرة، بل ويتمسك تمسكًا أعمى بمعتقداته الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، ويرفض إخضاعها للنقاش أو النقد، ويرى أن رأيه يمثّل الحقيقة المطلقة، ويظهر لديه رفضٌ شديدٌ للأدلة المخالفة؛ إذ يقاوم الأفكار الجديدة ويحاربها إذا تعارضت مع أفكاره ومعتقداته، كما يتجلى الانغلاقُ الذهني لديه في عجزه عن فهم أو تقبل اختلاف الآخرين، إلى جانب ميلٍ واضحٍ للسيطرة وفرض الرأي، وقد يصاحب ذلك خشونةً أو حِدّةً في التعامل مع المخالفين.
ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصية الدوجماتية؟
إن بداية الشخصية الدوجماتية غالبًا ما تكون في بيئةٍ تستخدم أسلوبًا صارمًا في التربية، يقوم على مبدأ “القبول المطلق” أو “الرفض المطلق” دون مساحةٍ للنقاش أو السؤال؛ حيث ينشأ الطفل وهو يتعلم أن الطاعة فضيلةٌ مطلقة، وأن الاعتراضَ خطأ، وأن السلطةَ لا تُراجَع، ومع تكرار هذا النمط يتشكل داخله عقلٌ يميل إلى التسليم لا إلى التفكير، وإلى الاتباع لا إلى التحليل؛ فيكبر وهو يرى أن الثبات على الفكرة أهم من اختبارها.
ومع مرور الوقت تتداخل الحاجة إلى الأمن النفسي في تكوين هذا النمط؛ فبعض الأفراد يجدون في الأفكار الثابتة ملاذًا من قلق الغموض وعدم اليقين؛ فالعالم من حولهم متغيرٌ ومربك، لكن الفكرة الجامدة تمنحهم شعورًا زائفًا بالاستقرار، وكأنهم يمسكون بحقيقةٍ لا تتزعزع وسط بحرٍ متقلّب؛ لذلك يتمسكون بها بشدة، لا لأنها دائمًا صحيحة، بل لأنها تمنحهم راحةً داخليةً مؤقتة .. كما تلعب العوامل المعرفية دورًا مهمًّا؛ فضعف القدرة على معالجة معلوماتٍ متعددٍة أو استيعاب وجهاتِ نظرٍ متباينةٍ قد يدفع الشخص إلى التمسك بأول فكرةٍ يتبناها، ثم يبني حولها جدارًا يحميه من أي تعقيدٍ جديد، ومع الوقت يتحول هذا التمسك إلى جمودٍ فكري، يصعب معه مراجعة الأفكار أو إعادة النظر فيها.
ولا يمكن إغفال تأثير الجماعة على الفرد؛ فحين يعيش الفرد داخل سياقٍ اجتماعيٍّ أو فكريٍّ يشجع على الخضوع الجماعي للأفكار – كالعقائد الحزبية الصارمة أو الآراء النمطية المتوارثة – يقل التفكير الذاتي، ويقوى الميل إلى التبني الأعمى لما تعتنقه الجماعة .. وهكذا تتشكل الشخصية الدوجماتية تدريجيًّا؛ فتتجسد في صورة تعصبٍ يتغذى على الخوف، وجمودٍ يتعزز بالتنشئة الصارمة، وانغلاقٍ يحارب كل دليل قد يُثبت خطأ الفكرة التي أصبحت جزءًا من هُوية صاحبها.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكشف رمضانُ الشخصيةَ الدوجماتية؟
هذا الشهر الكريم يختبر ضبط النفس والمرونة والتسامح في آنٍ واحد، ومع الجوع والعطش يقلّ الصبر، وتظهر الطباع الحقيقية دون تزيين، وهنا تتجلى حِدّة الشخص المتصلب فكريًّا؛ فتجد سرعة غضبه تزداد، ويصبح أقل احتمالًا للاختلاف، ويتعامل مع أي رأيٍ مغايرٍ وكأنه استفزازٌ شخصي، وبدلًا من أن يكون الصيام وسيلةً لتهذيب النفس، يتحوّل عنده إلى ساحةٍ لإظهار التشدد وفرض السيطرة؛ فيتمسك بعاداته وآرائه تمسكًا أعمى، ويرفض الحوار أو النقد، حتى لو قُدمت له أدلةٌ منطقيةٌ أو شرعيةٌ أوضحُ وأقربُ للفهم.
وفي الأجواء الرمضانية التي يفترض أن يسودها التراحم، قد يظهر ميله لفرض فهمه الخاص للدين على مَن حوله، وكأنه يمتلك الحقيقة الكاملة التي لا تحتمل النقاش؛ فإذا اختلفت فتاوى العلماء في أمرٍ من أمور الدين – مما يسع فيه الاختلاف – تجده يتعصب للرأي الذي يوافق هواه، ويتشدد في رفض أيّ رأيٍ آخر .. كما تتراجع مهاراته الاجتماعية في هذا الشهر؛ إذ يضيق صدره بالمخالفين، وتقل قدرته على الاستماع، ويزداد تشدُّده في الحكم على الناس .. وهكذا يصبح رمضان مرآةً تعكس صلابة تفكيره؛ فبدلًا من أن يلين مع الصيام، تراه يزداد تصلبًا، وبدلًا من أن يتسع صدره، تجده يضيق أكثر؛ فينكشف الجمود الكامن داخله من خلال سلوكه اليومي في مواقفَ بسيطةٍ كان من الممكن أن تمرّ بسلامٍ لولا تشدُّده.
كيف يمكن أن يستفيد الشخص الدوجماتي من رمضان؟
يمكن لرمضان أن يُحدث أثرًا كبيرًا في الشخص الدوجماتي إذا أحسن استثماره؛ فالصيام في جوهره كسرٌ للروتين اليومي المألوف؛ إذ يحدث تغييرٌ بيولوجيٌّ واضحٌ في مواعيد الأكل والشرب والنوم، وهذا التغيير المادي قد يفتح الباب لتغييرٍ ذهنيٍّ موازٍ له؛ فحين يعتاد الإنسان أن يخرج من نمطه المعتاد في أبسط احتياجاته، يصبح من الممكن – ولو تدريجيًّا – أن يراجع أنماطه الفكرية الجامدة أيضًا، وكأن الصيام يقول له: كما استطعتَ أن تغيّر عاداتك الجسدية، تستطيع أن تراجع عاداتك الذهنية .. ثم إن استشعار الضعف أمام الجوع والعطش يُخفف من تضخم “الأنا” الذي يغذي الدوجماتية؛ فالشخص الذي كان يرى رأيه حقيقةً مطلقةً، يقف فجأةً أمام حقيقةٍ إنسانيةٍ بسيطة، وهي أنه ضعيفٌ ومحتاجٌ وله قدراتٌ محدودة، وهذا الإحساس بالضعف البشري قد يُلين شيئًا من صلابته، ويجعله أكثر استعدادًا للاعتراف بأن الحقيقة أوسع من فهمه الفردي.
ورمضان يمنحه فرصةً عمليةً للتدريب على ضبط النفس فكريًّا؛ فكما يمتنع عن الطعام والشراب ساعاتٍ طويلة، يمكنه أن يتدرّب على الامتناع عن إصدار الأحكام القطعية السريعة، وأن يؤجل ردّه، وأن يختار كلماتِه بهدوء .. ومع اللقاءات الرمضانية والإفطارات الجماعية، يختلط بأشخاصٍ يختلفون عنه في الطباع والأفكار، فيتعلّم – إن أراد – مهارة الاستماع وقبول الرأي الآخر، بل إن هذا الاحتكاك الاجتماعي قد ينمّي لديه ذكاءً اجتماعيًّا يخفف من حِدّة تشُّدده.
ثم إن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل امتناعًا أيضًا عن التعصب والجدل المذموم؛ فإذا تعامل الدوجماتي مع هذا المعنى بجدية، فقد يتعلم أن قبول الاختلاف ليس هزيمة، بل عبادة، وأن التسامح قوةً وليس ضعفًا .. وهكذا يمكن لرمضان أن يكون نقطةَ تحوّل؛ فهو لا يكسر شخصيته، بل يخفف حِدّتها، ويحوّل الجمودَ إلى توازن، والتعصبَ إلى وعي، والانغلاقَ إلى مساحة أفضل للفهم.
ولكن كيف نتعاملُ مع الشخصِ الدوجماتي في رمضان؟
التعامل مع الشخص الدوجماتي في رمضان يحتاج قدرًا كبيرًا من الحكمة وضبط النفس؛ لأن هذا الشهر بطبيعته يرفع مستوى التوتر الجسدي قليلًا بسبب الجوع والعطش، ومع الشخصية المتصلبة فكريًّا قد يزداد الأمر حِدّة، وأول ما ينبغي إدراكه أن الجدال المباشر معه في نهار الصيام غالبًا لا يُثمر نتيجة، لأنه يرى رأيه حقيقةً مطلقةً لا تقبل النقاش، وأيّ محاولةٍ لإقناعه قد تتحوّل إلى معركةٍ تستنزف طاقتك وتفسد روحانية اليوم؛ لذلك من الذكاء أن تتجنبَ الدخول معه في نقاشاتٍ عقيمة، خاصةً في الموضوعات الحسّاسة أو الخلافية.
ومن الحكمة أيضًا أن تؤجّل أي حوارٍ جادٍّ معه إلى ما بعد الإفطار، حين يكون الجسد قد استعاد توازنه وانخفض التوتر الناتج عن انخفاض السكر أو نقص المنبهات؛ فالكثير من حِدّة الانفعال في الأيام الأولى من رمضان تكون مرتبطةً بعواملَ جسديةٍ لا فكريةٍ فقط .. كما يمكن استخدام “سلاح الصيام” نفسه؛ فعندما يحاول استدراجك إلى جدالٍ حادّ، ذكّر نفسك أولًا – وذكّره أيضًا بلطف – بمعنى “إني صائم”، ليس كعبارةٍ تقال فحسب، بل كمبدأ يضبط اللسان ويهذّب الرد.
وإذا بدأ النقاش يتصاعد، فغيّر المكان أو الموضوع ببساطة، أو واجه تشدده بابتسامةٍ هادئةٍ أو بكلمةٍ لطيفةٍ مثل “حصل خير” أو “الأمر فيه سعة”؛ فهدوءك يخفّف من حِدّة الموقف، ويمنحك راحةً نفسية، وأحيانًا لا يكون الانسحاب ضعفًا، بل وعيًا يحمي العلاقةَ من التصعيد .. المهم أن تحافظ على جو رمضان هادئًا داخل البيت أو العمل، ولا تجعل اختلاف الرأي يسرق منك روح الشهر؛ فالشخص الدوجماتي يتغذى على الاختلاف والصِّدام، لكنه قد يهدأ أمام ثبات متزن لا يستفزُّه.
وأخيرًا فإن رمضانَ شهرُ الصبر والتهذيب، يكشف النفوسَ ويكشف الأسرار، ويُظهر الجمود كما يُبرز اللين، ويُعلِّم أن القوةَ ليست في فرض الرأي، بل في اتساع الأفق؛ فمن استغلّ أيامه ولياليه في تعلُّمِ الحكمةِ والتخلي عن الشِّدة، خرج منه أرقّ قلبًا، وأوسع صدرًا، وأنقى سريرة، وأكثر استعدادًا للتسامح والحوار.
كل رمضان أنتم أكثر مرونةً وتقبلًا لآراء الآخرين، وحكمةً في التعامل مع الدوجماتيين🌙.






