كتبت: سلمى الشحات
كنت أقرأ في أروقة الصحف كعادتي في الصباح، أتنقل بين العناوين والمقالات، إذ فوجئت بخبر جعل قلبي يتوقف للحظة.. طفلة مفقودة منذ أكثر من اثني عشر عامًا تم العثور عليها مؤخرًا، والقصص التي رافقت هذا الاكتشاف غريبة جدًا، لدرجة جعلتني أشعر أنني أقرأ سيناريو فيلم أمريكي الصنع.
تعود فصول المأساة إلى عام 2014، حينما خرجت الطفلة “ندى” من منزل أسرتها بمنطقة العباسية بالقاهرة لشراء مستلزمات منزلية ولم تعد.
ونشرت صفحة “أطفال مفقودة” صورة لطفلة تدعى “ندى” من منطقة العباسية بالقاهرة، كانت تبلغ من العمر 7 سنوات وقت اختفائها قبل 12 عامًا، بعدما طلبت منها أسرتها شراء بعض الاحتياجات للمنزل، لكنها لم تعد مرة أخرى، لتبدأ رحلة طويلة من البحث والمعاناة عاشتها الأسرة على أمل العثور على ابنتها، دون جدوى.
وبينما بدت القصة وكأنها طواها النسيان، جاءت الصدفة لتعيد فتح الملف من جديد، بعد عرض أحد المسلسلات الرمضانية الذي تناول قضية خطف الأطفال، إذ تلقى مسؤول الصفحة اتصالًا من رجل يدعى أحمد، برفقة زوجته، ليرويا تفاصيل حكاية بدت أكثر قسوة وإثارة من أي عمل درامي.
وكشف أحمد أن زوجته بدأت تتحدث معه لأول مرة عن أسرار مؤلمة تخص والدتها قبل زواجهما، موضحة أنها كانت تستغلها منذ طفولتها، حيث كانت تتسول بها مستخدمة شهادة وفاة مزورة لوالدها، من أجل الحصول على أموال ومساعدات، كما دفعتها للتسول والاستيلاء على ما تجمعه من أموال.
ولم تتوقف الصدمة عند هذا الحد، حيث قالت الزوجة إن والدتها أخبرتها بوجود فتاة أخرى زعمت أنها شقيقتها من والدها المتوفى، وكانت تستغلها هي الأخرى في التسول، قبل أن تكتشف لاحقًا أن تلك الفتاة ليست شقيقتها من الأساس، وأن الحقيقة الأكثر إيلامًا كانت أنها هي نفسها الطفلة المختطفة التي ظلت أسرتها تبحث عنها طوال 12 عامًا، بعدما تعرضت للاختطاف واستُغلت في التسول وجمع الأموال.
كل شيء بدأ يتكشف بعد أن أعادت صفحة أطفال مفقودة نشر بوست لطفلة مفقودة منذ أكثر من 12 سنة، التفاصيل في البوست تطابقت مع حياة ندى بشكل مثير، كل لحظة في ماضيها، كل ذكرى كنت أظنها بريئة، أصبحت الآن قابلة لإعادة الفهم.
التحقيقات أوضحت أن ندى كانت تحمل بطاقة هوية مزورة، ومستندات رسمية باسم غير اسمها الحقيقي، المرأة التي اختطفتها، عايدة، لم تكتف بالاختطاف، بل عملت على تغيير هويتها القانونية بالكامل لتبقى مخفية عن أهلها الحقيقيين، كل خطوة كانت مدروسة بعناية، وكل وثيقة مزورة أضافت طبقة من الخداع جعلت الطفلة تعيش في عالم غير حقيقي.
الجانب النفسي للطفلة كان أكثر مأساوية، سنوات الطفلة مع عائلة مزيفة لم تكن حياة عادية، بل كانت خطة لإعادة تشكيل عقلية ندى؛ لإبقائها خاضعة، وتجعل حياتها كلها تحت سلطة الخاطفة. الفتاة تعودت على الطاعة والخضوع لدرجة أنها كانت تجلب الحبل لربط نفسها عندما تظهر الخاطفة، كأن حياتها كلها مخصصة لامتثال إرادة شخص بالغ بلا رادع.
كيف يمكن أن تختفي طفلة مثل ندى طوال 12 عامًا، وتظل مستغلة في “بيزنس التسول” دون أن تتحرك أي سلطة؟ كيف تصدر شهادات ميلاد مزورة، وتظل الحكومة عاجزة أو غافلة عن مراقبة الأطفال المفقودين؟ اكتشفنا كل شيء بالصدفة، بمساعدة مسلسل رمضاني واتصال عابر، فهل هذا يعني أن حماية الطفولة في مصر تعتمد على الحظ فقط؟ أين كان دور الجهات المختصة طوال هذه السنوات؟ وأين هي الرقابة الفعلية على الأوراق الرسمية؟ هل الأطفال في بلادنا مجرد أرقام يمكن تزويرها دون مساءلة؟











