بقلم : د / دينا سامي
عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
في حياتنا اليومية، هناك من يعمل ليُرى، وهناك من يعمل بإتقان وإخلاص ابتغاء مرضاة الله عزوجل ، فالعمل المتقَن ، هو مفتاح النجاح الدنيوي، وجسر للأجر والثواب العظيم في الآخرة قال تعالى ” آلَّذِي خَلَقَ آلْمَوْتَ وَآلْحَيَآةَ لِيَپْلُوَگُمْ أَيُّگُمْ أَحْسَنُ عَمَلآً وَهُوَ آلْعَزِيزُ آلْغَفُورُ” الملك 2 ، ففي هذه الآية الكريمة نلاحظ كلمة ” أَحْسَنُ عَمَلآً ” دعوة صريحة إلى إتقان العمل ، وهذه الآية لا تخص الكبار فقط ، بل تمس كل شابٍ متقن مبدع في عمله، يسعى بإخلاص، ويبني مستقبله بأمانة، ويؤدي واجبه على أكمل وجه، سواء في دراسته، أو عمله، أو مشروعه، أو أي مجال يخدم به مجتمعه.
ولقد حضت شريعة الإسلام على أهمية الإتقان في العمل ومراقبة الله تعالى في السر والعلن يقول تعالى (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) (النمل 88) وجعل صلى الله عليه وسلم إتقان العمل طريقاً لمحبة الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ) فالإتقان واجب على كل فرد في وظيفته .
ولاشك أن مرحلة الشباب هي أفضل مراحل العمر وباكورتها ، فالشباب عماد هذه الأمة ، وعدة مستقبلها ،وهم الدم الحار المتدفق في عروقها ، فيبعث فيها القوة والحياة ، ولقد اتصف الرعيل الأول من شباب الإسلام بكمال الإيمان ، وصدق اليقين ، وقوة العزيمة ، وحسن العمل ، وحينما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة شحذ همم الشباب وصغار السن ، وجدد الطاقات ، وأسند إلى كل واحد منهم العمل الذي يتناسب مع إمكانياته وقدراته ومواهبه ، فمنهم من كان يجيد التجارة مثل سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فاشتغل بها ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة فيها ، ومنهم من كان يتقن الكتابة والتحصيل العلمي كسيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه حينما طلب منه صلى الله عليه وسلم أن يتقن السريانية ويجيدها فإنه لا يأمن يهودي على كتاب المسلمين ، فأتقنها وحذقها في خمس عشرة ليلة .
وأرسل النبى صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة ، وكان عمره آنذاك سبعة عشر عاما، وبعد مرور سنة أرسل إليه يسأله: ماذا فعل الله بك يامصعب؟ قال: يا رسول الله ما تركت فيهم بيتا إلا ودخله نور الإسلام .
و بلغ من تشجيع النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة المخلص أنه صلى الله عليه وسلم كان يطلق عليهم ألقاباً خاصة بهم من جنس أعمالهم تحفيزاً لهممهم فلقب عمررضي الله عنه يوم بدر بأبي حفص ، وفي غزوة حنين لقب طلحة بن عبيد الله بطلحة الجواد ؛ لكثرة إنفاقه على الجيش ، وكان يسند إليهم أخطر الأعمال ثقة بهم ، ويوليهم مقاليد القيادة على حداثة أسنانهم ، فأعطى اللواء علياً يوم بدر وسنه عشرون سنة ، ومنحها يوم تبوك لزيد بن ثابت وسنه عشرون سنة أيضاً، وعقد اللواء بيده لأسامة بن زيد على الجيش والذي جهزه وكان فيه كبار المهاجرين والأنصاروهو ابن سبعة عشر عاماً ، ولما طعن البعض في إمارته خطبهم وقال : “ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد ولئن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله ، وأيم الله لقد كان خليقاً بالإمارة وإن ابنه من بعده خليق لها”.
وإن شعور الشباب بالمسئولية أمام الله يجعلهم أصدق الناس تمسكاً بالقيم الإسلامية كالأمانة وتقوى الله عزوجل ويبتعدوا عن الغش والتدليس في الأعمال مهما كانت صغيرة ولننظر إلى قصة مراقبة الفتاة الشابة لله في السر والعلن حينما مر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات ليلة يتفقد الرعية فسمع امرأة تقول لابنتها : اخلطي اللبن بالماء، فقالت البنت: يا أماه أمير المؤمنين نهى عن ذلك، فقالت الأم: وهل يراك عمر؟ فأجابت البنت المؤمنة التقية الأمينة قائلة : إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا ، وأعجب سيدنا عمر بأمانتها وزوجها ولده عاصم فولدت له بنتاً وجاء من نسلها سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي ملأ الأرض عدلاً ورحمةً .
فالشاب المتقن لعمله لا يرفع شأنه الشخصي فقط، بل يرفع كفاءة مجتمعه ويثبّت الثقة في كل عمل يقوم به ، فالالتزام بالمواعيد، وجودة العمل، وأمانة الأداء، كلها صيغ من مراقبة الله وخشيته ، وتؤدي إلى نتائج ملموسة في الدنيا، وأجر عظيم في الآخرة فرفعة الأوطان تبدأ بـالإتقان ثم نفع الناس ، وصولاً إلى الإحسان كأسمى الغايات وأرفع المقامات وهو : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
ونحن اليوم بحاجة ماسة إلى ثقافة جديدة تحترم عقول الأجيال الحالية ؛ لتستطيع ربطها بقيمها التاريخية وثوابتها الفكرية من خلال التشجيع والتحفيز لهم ، وحسن التعامل معهم مستخدمين بذلك ما يناسب عصرهم من أدوات التكنولوجيا الحديثة وأساليب الذكاء الاصطناعي التي تعود بالخير على البلاد ، فلندخر كل طاقاتنا وثرواتنا لشبابنا ، فصناعة الرجال هى أكبر الصناعات الثقيلة وتكلفتها باهظة ولكن مردودها الاجتماعى والإنسانى أكبر لصلاح المجتمعات ورفعة الأوطان .











