*بعد الحج انضباط في السلوك وإعمار في الواقع*
*بقلم : د/ دينا سامي – عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر*
……………………………………………….
تنتهي أيام الحج، وتُطوى صفحات المناسك، ويعود الحجيج إلى أوطانهم وأعمالهم وبيوتهم، لكن يبقى السؤال الأهم: هل كانت رحلة الحج أيامًا معدودات تنقضي بانقضاء الموسم ، أم مدرسة إيمانية تُعيد تشكيل الإنسان سلوكًا ووعيًا ومسؤولية؟
لقد شرع الله الحج ليكون عبادةً تصنع التقوى، وتُهذِّب النفس، وتدرِّب الإنسان على الانضباط والطاعة ، ولقد عاش المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها في الأيام القليلة الماضية مشاعر إيمانية عظيمة تعلوها أصوات التكبير والتهليل والصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليست هذه المشاعر والنفحات الإيمانية خاصة بمن وفقه الله تعالى وأعانه على أداء هذه الفريضة فحسب ، بل طاف المسلمون الذين لم يستطيعوا أداء هذه الفريضة بأرواحهم وقلوبهم ناحية البيت الحرام قبل الطواف بأبدانهم ، ونالهم من الرحمات والبركات والطاعات في هذا الموسم العظيم ما جددوا به أرواحهم بطاعتهم لله تعالى ودوام ذكرهم له ، وصيامهم لأعظم يوم عند الله تعالى وهو يوم عرفة يوم تكفير الذنوب والخطايا وإقامتهم لشعيرة الأضحية للقادرعليها
**إحسان الظن بالله تعالى ومغفرته لكل الذنوب مهما بلغت .*
وعلى الإنسان أن يفرح بنعمة الله تعالى عليه وحق له ذلك قال تعالى “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ” ، كما ينبغي على المسلم بعد عودته من أداء هذه الفريضة أن يداوم على الاستقامة والطاعة فهي علامة القبول من الله تعالى كما قال تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ” ، وعليه أن يحسن الظن بالله تعالى في غفرانه لذنوبه كلها ما دام قد أخلص النية في حجه وأبرأ ذمته من حقوق العباد ، والتزم قواعد الحج وآدابه مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم ” من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه “وقوله عليه الصلاة والسلام “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة “.
* *من آثار قبول الحج الاستقامة والانضباط في السلوك*
وعلى المسلم أن يبدأ نقطة انطلاق جديدة مع الله
أولا : في الاستمرار على الطاعة والذكر
وثانياُ: مع الناس في كل ما تعوده في مناسك الحج من احترام المكان والزمان ، والتخلق بجميل الخصال كالتعاون ، والانضباط ، والإنسانية ، والرحمة ، والمساواة التواضع وعدم التعالي على الناس بأداء تلك الفريضة فهي توفيق من رب العباد ، فالأولى أن يحافظ على هذا الأخلاق الحسنة بعد عودته ،وكلما تيسر له زيارة للنبي صلى الله عليه وسلم فليسارع في ذلك ولا يبخل، وليعلم المسلم الذي فاته أداء الفريضة في هذا العام بسبب عدم استطاعته ماليا أو بدنيا ، أو لعذر ما أن أبواب الخير كثيرة ، ووجوهه متعددة ، فلا يفوت على نفسه الفرصة في تحصيل الثواب ، واختيار ما يناسبه من الأعمال الصالحة كبر الوالدين ، وصلاة الفجر في جماعة والمكث في المسجد حتى شروق الشمس ، وغيرها من الصدقات وأعمال الخير فكلها تعدل الحج والعمرة كما أخبر بذلك حضرة النبي صلى الله عليه وسلم
*الإيمان لا ينفصل عن الإعمار*
إن المسلم بعد الحج مدعوّ لأن يحمل روح الحج معه أينما حلّ فيكون في بيته رحمةً، وفي عمله أمانةً، وفي مجتمعه إصلاحًا، وفي وطنه مشاركةً في البناء والتنمية، فالإيمان في الإسلام لا ينفصل عن عمران الأرض، بل يجعل العمل النافع عبادة، والإتقان مسؤولية، والإصلاح رسالة،
وليعلم أن النظام الذي كان في الحج سبيل لنجاح وصلاح المجتمعات؛ فملايين البشر كانوا يتحركون وفق ترتيب دقيق وانضباط عجيب، فأدوا الشعيرة بأمنٍ وانتظام وسلاسة ، وهذه الروح هي ما تحتاجه مجتمعاتنا: من انضباط في المواعيد، وإخلاص في الأعمال، ووعي بأن العبادة الحقة تُثمر حضارةً وسلوكاً ومسؤولية.
بعد الحج… لا ينبغي أن يعود الإنسان كما كان؛ بل يعود بقلبٍ أقرب إلى الله، ولسانٍ أطهر وأكثر ذكرا للمولى جل وعلا ، وسلوك أرقى، ويد أحرص على العمل والإعمار. فثمرة الحج الحقيقية تكون حياة جديدة عنوانها: استقامةٌ في السلوك… وإعمار في الواقع.
فاللهم كما وفقت عبادك للحج والطاعة، فثبِّتهم بعده يارب على حسن السلوك، وعمارة الأرض بالخير والعمل والإصلاح، واجعل أيامهم عامرة بذكرك، وقلوبهم مستقيمة على أمرك واحفظ بلادنا وبلاد الحرمين وارزق يارب كل مشتاق حج بيتك الحرام ، وزيارة لحضرة نبيك عليه افضل الصلاة والسلام .











