عيد الأضحى ..ذكرى الفداء وسنة الخليل عليه السلام
بقلم : د / دينا سامي – عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
………………………………..
………………………………..
يوم الأضحى يومٌ عظيم من أيام الله ، جعله الله موسمًا للفرح المشروع ، والطاعة المقبولة، وإحياءً لسنة الخليل عليه السلام ، وعنواناً لتعظيم شعائر الله تعالى ، فحري بكل من أدركه أن يملأه بالتكبير ، والتحميد ، والتهليل ، والذكر، والصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، والإحسان ، وصلة الأرحام ، وإن قدر على الأضحية فلا يتوانى فى أن يجعلها درساً في التقوى والإخلاص لله تعالى .
يوم النحر من أعظم الأيام
يأتي يوم الأضحى المبارك متوجًا لأيام مباركات ، هي أيام العشر الأوائل من ذي الحجة ،ويعرف بيوم العيد والنحر، ويوم الحج الأكبر، يومٌ اجتمعت فيه أعظم العبادات وأجل الشعائر، وقد عظَّم الإسلام هذا اليوم تعظيمًا خاصًا، حتى قال النبي ﷺ: «إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر، ثم يوم القر» و يوم القر هو: اليوم الذي يلي يوم النحر؛ أي: يوم الحادي عشر من ذي الحجة وسمي بذلك ؛ لأن الناس يقرون فيه أي: يستقرون بمنًى بعد أن فرغوا من طواف الإفاضة والنحر، واستراحوا .
ويوم النحر أعظم الأيام؛ لأنه يوم تجتمع فيه أعمال الحج العظام من رمي للجمار ، والطواف، والسعي، والحلق، والنحر، كما يجتمع فيه للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على ذكر الله تعالى ، وصلاة العيد، والأضاحي، وصلة الأرحام، وإظهار الفرح بشعائر الإسلام.
ويوم النحر هو : الشفع الذي أقسم الله به في قوله ” وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ” (الفجر 3) قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشفع : يوم الأضحى ، والوتر : يوم عرفة .
وسُمِّي يوم النحر ؛ لأن أعظم ما يُتقرَّب به فيه إلى الله ذبح الأضاحي والهدي، اقتداءً بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حين امتثل أمر الله في رؤياه بذبح ابنه، ففداه الله بذبح عظيم، لتبقى هذه السنة الخالدة مدرسةً في التسليم والطاعة والفداء.
صلاة العيد إظهار للفرح بشعائر الإسلام
يبدأ المسلمون يوم الأضحى بأداء صلاة العيد، وهي من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة، وقد حرص النبي ﷺ عليها، وأمر بخروج الرجال والنساء وحتى الحُيَّض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ، فعن أم عطية – رضي الله عنها- قالت:” أَمَرَنَا رسولُ الله ﷺ أن نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ والأضحى: العواتق، والحُيَّض، وذواتِ الخدور، فأما الحُيَّضُ فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين ” وفي رواية: «قلتُ: يا رسولَ الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لِتُلْبِسْها أختُها من جلبابها»
وصلاة العيد إعلان لفضل الله ورحمته ، وإظهار لفرحة الإيمان ، ووحدة الأمة ، وتعظيم الله تعالى وشكره على نعمه
والسنة : أن تُصلى في جماعة؛ وهي الصفة التي نَقَلها الخَلَف عن السلف، فإن حضر المسلم وقد سبقه الإمام بالتكبيرات أو ببعضها لم يقض شيئاً منها ؛ لأنه ذِكْر مسنون فات محلُّه .
وقت صلاة عيد الأضحى
يبدأ بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، ويُستحب تعجيلها ليتمكن الناس من ذبح أضاحيهم بعد الصلاة امتثالا ً لقوله تعالى ” فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ” (الكوثر: 2) أي: لما أنعم الله عليك بالخير الكثير وإدراك هذا اليوم المبارك ، أخلص الصلاة لربك ، واذبح نسكك وأضحيتك لله تعالى وحده خلافاً لأهل الشرك الذين كانوا يذبحون لغيره سبحانه .
من سنن يوم العيد
الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب ، والذهاب إلى الصلاة من طريق والعودة من طريق آخر ، والإكثار من التكبير، كما قال تعالى” وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُم ” (البقرة 185) ، وتأخير الأكل يوم الأضحى حتى يرجع المسلم من الصلاة ويأكل من أضحيته إن تيسر له ذلك .
الأضحية إحياء لسنة الخليل عليه السلام
تُعد الأضحية من أبرز شعائر يوم الأضحى، وهي ما يُذبح من بهيمة الأنعام الإبل أو البقر أو الغنم تقربًا إلى الله تعالى في أيام النحر ، قال سبحانه: ” فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ” (الكوثر 2) ، فجمع بين الصلاة والنحر؛ لأنهما من أجلِّ صور العبادة وقد فعلها حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ففي الحديث
«ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» أي : أعناقهما .
حكم الأضحية
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها ، وذهب بعض العلماء إلى وجوبها على المستطيع ؛ لما فيها من تعظيم لشعائر الله ، وإحياء لسنة الخليل إبراهيم عليه السلام .
ويشترط في الأضحية: أن تكون من بهيمة الأنعام: الإبل أو البقر أو الغنم. ، وأن تبلغ السن المعتبر شرعاً ، وأن تخلو من العيوب الظاهرة كالعور البين، والمرض الواضح، والهزال الشديد ، وأن تقع في الوقت المشروع لها ، والذي يبدأ بعد صلاة العيد وخطبته عند جمهور العلماء، ويمتد إلى غروب شمس آخر أيام التشريق قال صلى الله عليه وسلم ” من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، وليس من النسك في شيء” ، كما يستحب تقسيم الأضحية؛ فيأكل المضحي منها، ويهدي، ويتصدق ؛ لتتحقق معاني التكافل والمودة ، وإدخال السرور على الفقراء والمحتاجين .
قصة الفداء ابتلاء للإيمان الكامل
إن المؤمن قد يبتلى في أعز ما يملك ، وحينئذ يجب عليه الصبر ، فقد ابتلي الخليل إبراهيم عليه السلام بالرؤيا بذبح ولده ، ورؤيا الأنبياء حق وصدق ، ولما عرض الخليل عليه السلام هذه الرؤيا على ابنه اسماعيل عليه السلام ما كان من الابن إلا أنه قال له دون تردد افعل ما أمرك الله به قال تعالى في قصة الفداء
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢ فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣ وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠) (الصافات100-110 ) ففي هذا الموقف استجلاء لموقف الابن عند اتخاذ القرارات الصعبة والمهمة ، فاستسلم لأمر الله عندما أخبره به ، فألقاه إبراهيم واستسلما معاً وانقادا لأمر الله وأطاعاه معاً، وفوّضا أمرهما إلى الله، وأكب إبراهيم ابنه على وجهه حتى لا تأخذه العاطفة فيتردد في الذبح ،فوقع الفداء وزال البلاء ، ومدحه الله بالإحسان فقال ” إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) ” أي : مثلما جازيناك بالعفو عن الذبح، والتخلص من الشدة والمحنة ، نجزي كل محسن على طاعته، ونثيبه على فعله فلعظمة ذلك التصديق نجزي جزاء عظيما للمحسنين، أي : الكاملين في الإحسان وأنت منهم وهو تعليل لما أنعم الله على إبراهيم وابنه من الفرج بعد الشدة والسلامة من المحنة .
ولقد عظم الله تعالى شأن هذه المحنة في العادة فقال ” إ نَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) أي : إن هذا الاختبار لهو الاختبار الصعب الواضح المحنة التي لا محنة أصعب منها، حيث اختبره الله في مدى طاعته بذبح ولده، فصبر محتسبا الأجر عند وأبقينا له في الأمم القادمة ثناء حسنا وذكراً جميلاً، فأحبّه أتباع الملل كلها، اليهودية والنصرانية والإسلام وكان لنا نحن المسلمين النصيب الأكبر من المحبة والاتباع والاقتداء بسنته عليه السلام .
ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم
من هذه القصة المباركة جاءت شعيرة الأضحية التي يؤديها المسلمون في عيد الأضحى وأيام التشريق، اقتداءً بالخليل إبراهيم عليه السلام، وإحياءً لمعاني البذل والطاعة.
وقد ورد في الحديث: ” ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم” وفي كل أضحية تُذبح، وفي كل تكبيرة تُرفع، يتجدد صدى نداء الخليل إبراهيم عليه السلام، وتتجدد معاني الفداء والإيمان.
نسأل الله أن يجعل عيدنا عيدَ طاعةٍ وقبول، وأن يرزقنا صدق الإيمان، واتباع سنة نبينا ﷺ، وسنة أبينا إبراهيم عليه السلام، ، كما نسأله سبحانه وأن يتقبل من الحجاج حجهم، ومن المسلمين طاعاتهم وأضاحيهم، وأن يعيد هذه الأيام المباركات على مصرنا وسائر بلاد المسلمين بالخير واليُمن والبركات والسلام .











