بقلم : د / دينا سامي – عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر
————————————————————
القسم الإلهي ودلالة الاصطفاء
—————————————
حين يقسم الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، فإنما يقسم بعظيمٍ له شأنٌ ومكانة ؛ ليلفت به أنظار العباد إلى ما فيه من آيات ودلالات ، وإن اختصاص الله تعالى لأيِّ مخلوق من مخلوقاته بفضيلة أو ميزة، هو محضُ فضلٍ وتكرُّمٍ منه سبحانه ، ومن أبرز الأماكن التي أقسم المولى جل وعلا بها في كتابه العزيز طور سيناء قال تعالى ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ • وَطُورِ سِينِينَ﴾ التين (1-2) ، فجاء القسم بـ : طور سيناء ، وهذا القسم يحمل في طيّاته دلالات متعددة منها : أولاً : دلالة الاصطفاء، فاختيار الله لهذه الأرض لتكون مهبطًا للوحي ومكاناً قدسياً للتجلي الإلهي دليلٌ على طهارتها ومكانتها وما حباها به من شرف ومكرمة ، ثانياً : دلالة الرسالة، فإذ كانت سيناء نقطة انطلاقٍ لشرائع السماء، حيث تلقّى موسى عليه السلام الألواح، فصارت رمزًا للهداية والنور، فهي موطن النبوات، وأرض المناجاة، ومهد التشريع .، وثالثها : دلالة الثبات، فالطور ثابتٌ وراسخ، وكأن في القسم به إشارة إلى ثبات الحق وأهله في مواجهة الباطل على مر الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
ولم تقف قدسية سيناء عند حدود التاريخ الديني، بل امتدت لتصبح جزءًا من الهوية الوطنية لـ مصرنا الحبيبة ، وركنًا أصيلًا في وجدان شعبها المحب للسلام القاهر لكل عدوان مهما بلغت قوته ، فلقد ظلّت هذه الأرض المباركة عبر العصوروالأزمان هدفًا لأطماع الحاقدين والحاسدين ، لكنها بقيت عصيّة على الانكسارأو الانهزام أو حتى الظهور بالضعف أو العجز ، بفضل إرادة أبنائها وتضحياتهم الباسلة .
ذكرى التحرير امتداد للاصطفاء
وتأتي ذكرى تحرير سيناء لتُعيد إلى الأذهان معنى الاصطفاء مقرونًا بالفعل الإنساني؛ فكما اختار الله هذه الأرض للتجلي والوحي، اختار من جنود مصر الأبرار رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه ليكونوا سببًا في استعادتها.
وقد قدّم أبطال الجيش المصري أروع صور البطولة، فثبتوا كما يثبت الطور، وضحّوا كما تقتضي كرامة الأرض، حتى عادت سيناء إلى حضن الوطن.
وهنا يتجلّى الترابط العميق بين قدسية المكان وواجب الحفاظ عليه؛ فالأرض التي أقسم الله بها أمانة تحمل على الأعناق ، والدفاع عنها واجبٌ تمليه العقيدة الإيمانية الراسخة قبل الوطنية .
سيناء أرض الفيروز… وبركة الشجرة التي خرجت من الطور
ولقد عرفت سيناء منذ القدم بأنها أرض الفيروز، لما حوته من خيراتٍ ومعادن نفيسة، ولما مثّلته من قيمةٍ حضارية واقتصادية عبر العصور ، ومن أبلغ ما ورد في شأنها قول الله تعالى ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾ (المؤمنون: 20)
فهذه الآية الكريمة تشير إلى شجرةٍ مباركة هي شجرة الزيتون، التي تنبت في أرض سيناء، وتُعدّ من أعظم النعم التي امتنّ الله بها على عباده فقول الله تعالى “تنبت بالدهن” إشارة إلى ما تُنتجه من زيتٍ نافع، يُستخدم كغذاءً ودواءً، وقوله “وصبغٍ للآكلين” فتعني ما تضفيه من طعمٍ ولونٍ وقيمة غذائية على الطعام .
ولقد أخرج الإمام الترمذي في الأطعمة عن سيدنا عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة)
لكن قال بعضهم: هذا الأمر لمن قدر على استعماله ووافق مزاجه وإلا حرم استعماله لو ضر ( روح المعاني للآلوسي 9/225)
وهنا تتجلّى العلاقة العميقة بين سيناء وأرض الفيروز وبين هذه الآية الكريمة؛ فكما أودع الله في أرضها كنوزًا من المعادن، أودع فيها أيضًا كنوزًا من البركة والنماء ، فهي أرض تجمع بين ثروة الأرض وبركة السماء، بين ما يُستخرج من باطنها، وما ينبت على ظاهرها.
ولقد اختصّ الله طور سيناء بإنبات هذه الشجرة المباركة، ليكون ذلك دليلًا على خصوبة الأرض وبركتها، رغم ما قد يبدو عليها من طبيعة صحراوية قاسية ، وكأن في ذلك رسالةً أن الخير قد ينبثق من أقسى البيئات، إذا شاء الله له أن يكون ، كما أن ذكر هذه الشجرة في سياق الامتنان الإلهي يربط بين الطبيعة والوحي؛ فسيناء رمز للعطاء المستمر، الذي يذكّر الإنسان بنعم الله الظاهرة والباطنة ، فاللون الفيروزي بما يحمله من دلالات الصفاء والجمال، يعكس نقاء هذه الأرض وبركتها، ويجعلها رمزًا للجمع بين الجمال المادي والمعنوي ، وإن المتأمل في هذه الآية يقودنا إلى فهم أعمق يعلم الإنسان أن يشكر النعمة ، وأن يرى في تفاصيل الطبيعة دلائل القدرة الإلهية ، وهي دعوة كذلك إلى ثقافة العمران والسعي بجد من أجل الحفاظ على هذه الأرض المباركة، وصون خيراتها، والاعتزاز بما حباها الله به من خصوصية ومنحها من فضل وتكريم ، حفظ الله مصرأرضاَ وقيادةً وشعباً وأدام عليها الأمن والأمان ولاستقرار .











