كتبت: سلمى الشحات
يُحيي الأقباط الأرثوذكس اليوم طقسًا روحانيًا فريدًا يُعرف باسم “سبت النور”، وهو اليوم الذي يسبق عيد القيامة المجيد، ويُعد من أكثر أيام أسبوع الآلام عمقًا وتأثيرًا في وجدان المسيحيين، إذ يحمل في طياته معاني الانتظار والترقب وبشائر الخلاص بعد أيام من الحزن والتأمل.
وسُمّي هذا اليوم بـ“سبت النور” نسبة إلى النور المقدس الذي يُعتقد، وفق الموروث الكنسي، أنه يخرج من قبر السيد المسيح داخل كنيسة القيامة في القدس، في حدث يتكرر سنويًا ويُتابعه الملايين حول العالم. ويُرمز لهذا النور بأنه إعلان لقيامة المسيح من بين الأموات، وانتصار الحياة على الموت، لذلك يُعد لحظة فاصلة ينتقل فيها المؤمنون من أجواء الحزن في الجمعة العظيمة إلى الفرح المرتقب بعيد القيامة.
وتكتسب طقوس هذا اليوم طابعًا خاصًا داخل الكنائس، حيث تبدأ الصلوات منذ الصباح وتستمر لساعات طويلة، تتخللها قراءات من الكتاب المقدس تتناول قصة الخلاص، إلى جانب ألحان كنسية مميزة تعكس التحول التدريجي من الحزن إلى الرجاء. كما يعيش الأقباط حالة من السكون الروحي والتأمل، انتظارًا للحظة إعلان القيامة التي تمثل جوهر الإيمان المسيحي.
وفي خضم هذه الأجواء الروحية، تظهر واحدة من أبرز العادات الشعبية المرتبطة بسبت النور، وهي وضع الكحل في العيون، وهي عادة قديمة لا ترتبط بطقس كنسي رسمي، لكنها متجذرة في الثقافة الشعبية المصرية، وتحمل في الوقت نفسه دلالات رمزية يفسرها البعض من منظور ديني.
فمن الناحية الدينية الرمزية، يرى بعض المسيحيين أن الكحل في هذا اليوم يُعبّر عن “الاستنارة بنور المسيح”، حيث يُزيَّن العين – باعتبارها أداة الرؤية – بما يعكس النور الداخلي الذي يمنحه الإيمان. ويُنظر إلى هذه الممارسة كنوع من التعبير البسيط عن استقبال نور القيامة، وكأن العين تشارك في هذا الحدث الروحي الكبير، فتصبح أكثر “بصيرة” لا مجرد “بصر”.
كما يربط البعض بين الكحل وفكرة الانتصار على الظلام، فكما يُنير نور القيامة العالم، يأتي الكحل كرمز شعبي يعكس هذا التحول، فيتحول من مجرد زينة إلى إشارة رمزية للنور بعد العتمة، والفرح بعد الألم.
أما من الناحية غير الدينية، فتعود جذور عادة الكحل إلى موروث شعبي قديم في مصر، حيث عُرف استخدام الكحل منذ العصور الفرعونية، وكان يُستخدم لأغراض جمالية وصحية في الوقت نفسه. وقد اعتقد المصريون قديمًا أن الكحل يساعد في حماية العين من الأمراض، ويقوي النظر، ويقي من الحسد، وهي معتقدات استمرت عبر الأجيال وانتقلت إلى الممارسات المرتبطة بالمناسبات الدينية.
وفي سبت النور تحديدًا، كانت الأمهات يحرصن على تكحيل أعين أطفالهن، اعتقادًا بأن هذا اليوم يحمل بركة خاصة، وأن الكحل فيه يكون أكثر فاعلية في الحماية وجلب الخير. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه العادة جزءًا من الطقوس الاجتماعية المصاحبة لليوم، حتى وإن لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بالتعاليم الكنسية.
ويؤكد رجال الكنيسة أن وضع الكحل ليس فرضًا دينيًا أو طقسًا معترفًا به داخل العبادة، بل هو عادة شعبية تعكس تداخل الدين مع الثقافة المحلية، وهو أمر شائع في كثير من المجتمعات، حيث تكتسب المناسبات الدينية أبعادًا اجتماعية وتراثية بجانب بعدها الروحي.
ويعكس سبت النور في مجمله هذا التداخل الفريد بين الإيمان والعادات، حيث يجتمع الطقس الكنسي العميق مع الموروث الشعبي البسيط، في لوحة تعبر عن خصوصية المجتمع المصري، وقدرته على مزج الروحاني بالإنساني.
ويظل هذا اليوم واحدًا من أبرز محطات أسبوع الآلام، إذ يحمل رسالة أمل متجددة، تؤكد أن النور يأتي دائمًا بعد الظلام، وأن القيامة تظل وعدًا بالحياة والانتصار، ليس فقط في المعتقد، بل في وجدان كل من ينتظر الفرج بعد الشدة.











