بقلم: د.ميمونة سري
يُعد يوم عاشوراء من الأيام العظيمة التي خصها الله تعالى بفضائل كثيرة ومكانة رفيعة في شريعة الإسلام، فهو يوم ارتبط بنصر الله لرسله واوليائه، وهلاك أعدائه، وفيه تتجلى معاني الإيمان والتوحيد والشكر والاتباع.
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله»، وهي منحة ربانية عظيمة يتفضل الله بها على عباده، فيغفر لهم ذنوب عام كامل بصيام يوم واحد، وذلك من واسع رحمته وعظيم كرمه.
وقد كان النبي ﷺ يحرص على صيام هذا اليوم حرصًا ظاهرًا، حتى قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا يوم عاشوراء. وهذا يدل على مكانته الخاصة وعظيم شأنه.
يوم نجّى الله فيه موسى عليه السلام
ترجع خصوصية هذا اليوم إلى أنه اليوم الذي نجّى الله فيه نبيه موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين من بطش فرعون وجنوده، وأغرق فيه الطاغية ومن تبعه. فلما قدم النبي ﷺ المدينة ورأى اليهود يصومون هذا اليوم، وسألهم عن سببه، أخبروه بأنه يوم نجّى الله فيه موسى، فقال ﷺ: «نحن أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه.
وفي هذا الموقف تظهر حقيقة مهمة، وهي أن رابطة الإيمان والاتباع أعظم من رابطة النسب والانتماء؛ فمع أن اليهود ينتسبون إلى موسى عليه السلام، إلا أن أمة محمد ﷺ أولى به لاتّباعها الحق الذي جاء به.
دروس إيمانية من عاشوراء
يحمل يوم عاشوراء معاني عظيمة يحتاجها المسلم في حياته، ومن أبرزها الثقة بوعد الله تعالى وحسن الظن به؛ فكما نجّى الله موسى عليه السلام وأهلك فرعون في لحظة لم يكن يتوقعها أحد، فإن نصر الله لعباده المؤمنين حق لا يتخلف، مهما اشتدت المحن وتعاظمت قوى الظلم والطغيان.
كما يذكرنا هذا اليوم بأن الصراع بين الحق والباطل سنة ماضية في الأرض، وأن العاقبة دائمًا للمتقين، وأن الله سبحانه يدافع عن الذين آمنوا ويؤيد أولياءه إذا صدقوا معه.
ومن معاني عاشوراء أيضًا شكر النعم؛ فموسى عليه السلام صام هذا اليوم شكرًا لله على نعمة النجاة، ولذلك كان الأنبياء عليهم السلام يربطون النعم بالطاعة والعبادة، لا بالغفلة والانشغال بالدنيا.
عاشوراء والتمسك بالسنة
من هدي النبي ﷺ أنه أراد مخالفة اليهود في هذه العبادة، فقال في آخر حياته: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». ولهذا استحب العلماء صيام التاسع مع العاشر تحقيقًا للمخالفة المشروعة واتباعًا للسنة.
وتظهر هنا قاعدة مهمة في الشريعة، وهي أن المسلم يعتز بشخصيته وهويته، ويتمسك بهدي نبيه ﷺ دون تقليد أو ذوبان في غيره، مع قبول الحق ممن جاء به إذا وافق الكتاب والسنة.
تربية الأبناء على الطاعة
ومن المواقف المضيئة في هذا اليوم ما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم من تعويد أبنائهم على الصيام؛ فقد كانوا يصوّمون صبيانهم ويشجعونهم على تحمل مشقة العبادة منذ الصغر، مما يدل على أهمية غرس حب الطاعة في نفوس الأبناء وتعويدهم على الأعمال الصالحة.
كما يكشف يوم عاشوراء عن سرعة استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله ﷺ، فعندما أُمروا بصيامه بادروا إلى التنفيذ دون تردد أو جدال، فكانوا خير أمة في الامتثال والطاعة.
من الأخطاء المتعلقة بعاشوراء
ليس من هدي الإسلام اتخاذ يوم عاشوراء موسمًا للأحزان أو المآتم أو المظاهر المبتدعة، كما أنه ليس عيدًا يحتفل به على وجه التعبد، وإنما المشروع فيه هو الصيام وذكر الله وشكره واستحضار معاني النجاة والنصر والاتباع.
فالمسلم يتقرب إلى الله فيه بما شرعه النبي ﷺ، مقتديًا بهديه، بعيدًا عن الغلو والتفريط، متمسكًا بالسنة التي هي سبيل النجاة في الدنيا والآخرة.
خاتمة
إن يوم عاشوراء مدرسة إيمانية متكاملة؛ يجتمع فيه معنى التوحيد، والشكر، والصبر، والثقة بالله، وسرعة الاستجابة لأوامره، والاقتداء بالأنبياء، والاعتزاز بالسنة.
فحريّ بالمسلم أن يغتنم هذه المناسبة المباركة بالصيام والطاعة والذكر والدعاء، وأن يستحضر ما فيها من الدروس والعبر، راجيًا من الله تعالى أن يكتب له مغفرة الذنوب، وأن يجعله من عباده الصالحين الفائزين برضوانه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.











