بقلم: د.ميمونة سري
جعل الله سبحانه وتعالى في حياة المسلمين مواسم مباركة تتنزل فيها الرحمات، وتتضاعف خلالها الحسنات، وتُفتح فيها أبواب الخير والطاعات، لتكون فرصة للتزود بالإيمان والقرب من الله تعالى. والسعيدحقاً هو من يدرك فضل هذه المواسم فيستثمرها فيما ينفعه عند ربه، فقد جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
[افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده].
ومن أعظم هذه المواسم المباركة أيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، تلك الأيام التي اختصها الله تعالى بمزيد من الفضل، ورفع مكانتها بين سائر أيام العام، وجعل العمل الصالح فيها أحب إليه وأعظم أجراً من غيرها، إضافة إلى ما تتضمنه من شعائر الحج العظيمة التي لا تؤدى إلا خلالها.
ومن دلائل فضل هذه الأيام أن الله سبحانه أقسم بها في كتابه الكريم، فهي المقصودة بقوله تعالى في سورة الفجر: {وليالٍ عشر}، كما أنها الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج. وفيها يوم عرفة، اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم النعمة، وهو يوم المغفرة والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف. كما تضم يوم النحر الذي يُعد من أفضل أيام الدنيا، وفيها تؤدى أعظم مناسك الحج، وتُقام شعيرة الأضاحي إحياءً لسنة خليل الله إبراهيم -عليه السلام- واتباعاً لهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم مكانة هذه الأيام وفضل العمل فيها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء](رواه البخاري).
*أبرز الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة*
– أولاً: أداء الحج
يُعد الحج من أعظم الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى الله في هذه الأيام المباركة، وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم الحاج المبرور بأعظم الجزاء، فقال:
[العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما. والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة](متفق عليه).
– ثانياً: صيام الأيام التسعة الأولى
يُستحب للمسلم أن يكثر من الصيام خلال هذه الأيام، وخاصة التسعة الأولى من ذي الحجة، لما للصيام من فضل عظيم، ولثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ورد عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
[كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر…](رواه النسائي وأبو داود)
– ثالثاً: صيام يوم عرفة لغير الحاج
ويُعتبر يوم عرفة من أعظم أيام العام، وقد خصه النبي صلى الله عليه وسلم بمزيد من الفضل والثواب، فقال:
[صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ] (رواه مسلم)
فهو فرصة عظيمة لتكفير الذنوب ونيل رحمة الله، فلا ينبغي للمسلم أن يفرط فيه.
– رابعاً: الأضحية يوم العيد
الأضحية من السنن المؤكدة لمن استطاع إليها سبيلاً، وقد حافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال:
[ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا](متفق عليه).
ومن السنة أن يباشر المضحي أضحيته بنفسه إن استطاع، وأن يأكل منها، ويجوز التوكيل في الذبح عن طريق الجمعيات أو الجهات الخيرية، سواء داخل البلاد أو خارجها. كما أن الشاة تجزئ عن شخص واحد، بينما تجزئ البدنة أو البقرة عن سبعة أشخاص.
– خامساً: الإكثار من ذكر الله تعالى
من أعظم ما يُتقرب به إلى الله في هذه الأيام الإكثار من الذكر، كالتكبير والتحميد والتهليل والتسبيح، فقد قال تعالى: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}(الحج: 28). وجاء في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد]
– سادساً: التكبير عقب الصلوات
ويُسن التكبير المقيد بعد الصلوات المفروضة بداية من فجر يوم عرفة وحتى عصر آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة. وقد ثبت ذلك عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم
فقد روي عن شقيق بن سلمة رحمه الله أنه قال:
“كان علي رضي الله عنه يكبر بعد صلاة الفجر غداة عرفة ثم لا يقطع حتى يصلي الإمام من آخر أيام التشريق ثم يكبر بعد العصر”.
(أخرجه ابن المنذر والبيهقي، وصححه النووي وابن حجر).
ومن صيغ التكبير المشهورة
* الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا.
* الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
* الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
– سابعاً: سائر أعمال الخير والطاعات
ولا يقتصر فضل هذه الأيام على نوع معين من العبادات، بل يشمل كل عمل صالح، كالصلاة والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ورعاية الأيتام، والإحسان إلى الناس، وغيرها من أبواب الخير التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى.
فحريٌّ بالمسلم أن يغتنم هذه الأيام المباركة قبل انقضائها، وأن يملأها بالطاعات والأعمال الصالحة، سائلاً الله تعالى القبول والإعانة على حسن العبادة والذكر والشكر.











