*من الإحرام إلى الوداع ..كيف تجلت رحمة الشريعة بالمرأة في الحج؟
بقلم : د / دينا سامي – عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر*
حين فرض الله الحج على عباده، لم يجعله عبادةً قائمة على العنت والمشقة ، وإنما مبناه على الرحمة والتيسيرورفع الحرج ؛ لتظل هذه الشعيرة العظيمة ميدانًا تتجلى فيه سماحة الإسلام وعنايته بأحوال الناس جميعًا رجالًا ونساءً ، ولما كانت المرأة ضعيفة ، والحج ركن عظيم جداً ، اعتبُر الحج جهاد المرأة لما فيه من المشقة والجهد ، أوبسبب الظروف التي تطرأ عليها بحكم طبيعتها البشرية ، فجاءت الشريعة الغرّاء بتخفيفاتٍ وتيسيراتٍ تحفظ عليها كرامتها، وتصون حياءها، وتعينها على أداء المناسك في أمنٍ وطمأنينة ويسر وسكينة ، دون تكليفٍ بما يشق عليها أو يوقعها في الحرج .
*أبرز مظاهر التيسير ومراعاة الإسلام لأحوال المرأة في الحج*
*التيسير على المرأة في الإحرام*
من رحمة الإسلام بالمرأة أنه لم يكلّفها في لباس الإحرام بما يشق عليها، فلم يحدد لها لونًا معينًا أو هيئة مخصوصة ، بل أباح لها أن تُحرم فيما شاءت من الثياب الساترة المحتشمة، بخلاف الرجل الذي أوجب عليه التجرد من أي مخيط ، وكذلك صان لها معنى التعبد للخالق – جل وعلا – ونهاها عن لبس قفازيها أو نقابها لو كانت معتادة على لبسهما ؛ وذلك خروجاً من عادتها المألوفة فقط لا تضييقاً عليها ، بل هذا من تمام اليسر ، فقد ورد في صحيح الإمام البخاري- رضي الله عنه – عن سيدنا عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- قال: قام رجل فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس إلا أن يكون أحد ليست له نعلان، فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران، ولا الورس، ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين»
*إباحة الاشتراط لها عند الإحرام*
كما راعت الشريعة الإسلامية حال المرأة إذا خشيت العذر ، أو المرض ، أو تعذر عليها إتمام النسك ، فأُبيح لها الاشتراط عند الإحرام ، فعن السيدة عائشة – رضي الله عنها – قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: «لعلك أردت الحج؟» قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: ” حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني ” وكانت تحت المقداد بن الأسود ، فكان هذا من أعظم أبواب التخفيف ورفع الحرج عنها .
*التيسير عليها في السعي بين الصفا والمروة*
السعي بين الصفا والمروة عبادةٌ يشترك فيها الرجال والنساء، لكن الشريعة راعت طبيعة المرأة فلم تُشرع لها شدة السعي والهرولة كما يفعل الرجال في موضع السعي ؛ لأن المقصود منها الستر والسكينة.
وقد فهم العلماء من هدي النبي ﷺ وأمهات المؤمنين أن المرأة تمشي مشيًا معتادًا دون إسراع يخل بحشمتها أو يوقعها في المشقة أو الحرج ، وفي ذلك توازن بديع بين أداء النسك وتحقيق مقصود الستر والوقار الذي كرّم الإسلام به المرأة.
*جواز السعي راكبة عند الحاجة*
إذا كانت المرأة مريضة أو ضعيفة أو يشق عليها المشي جاز لها السعي على عربة أو اي وسيلة تنقل لو أتيح لها ذلك ؛ لأن المقصود أداء النسك دون تعذيب النفس، وقد ثبت أن النبي ﷺ طاف وسعى راكبًا في بعض الأحوال ليُري الناس المناسك ويرفع عنهم المشقة والحرج ففي صحيح مسلم عن جابر – رضي الله عنه- قال: «طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه أي : العصا المعوجة الطرف ، لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه أي : ازدحموا عليه »
*الدفع من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل*
ومن أعظم صور الرحمة في الشريعة الإسلامية بالنساء في الحج الإذن لهن بالدفع من مزدلفة قبل اشتداد الزحام، دفعًا للمشقة والخطر ففي صحيح البخاري ، عن السيدة عائشة – رضي الله عنها – قالت: «نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة، أن تدفع قبل حطمة الناس أي : زحمتهم ، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة، أحب إلي من مفروح به» فالحديث أصل في الترخيص بالنساء وكبار السن وللمرضى ومن يخشى الزحام الإفاضة إلى منى قبل اشتداد الزحام فهو صورة عملية من رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء ومراعاة أحوالهن وظروفهن .
*عدم رفع صوتها بالتلبية أو بالإهلال*
فالتلبية ورفع الصوت تكون للرجال امتثالاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ” أتاني جبريل ، فأمرني أن آمر أصحابي ، أو من معي، أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية ، أو بالإهلال”
وقال الإمام مالك رضي الله عنه : أنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية ، لتسمع المرأة نفسها.
**عدم أمرها بالحلق والاكتفاء بالتقصير بشيء يسير من شعرها*
لما كان حلق الرأس فيه مشقة على المرأة ومنافٍ لجمالها الذي أذن الشرع في المحافظة عليه، خفف الإسلام عنها واكتفى بالتقصير دون الحلق مراعاة لمشاعرها وصوناً لما أودعها الله في فطرتها من التنشئة على الجمال والحلي ؛ رحمةً بها وتكريمًا لأنوثتها، ففي سنن أبي داود أن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير”
*مراعاة الإسلام لأعذار المرأة الخاصة*
وإذا كانت المرأة لا تستطيع الرمي بنفسها كأن تكون حاملاً أو مريضة لا تستطيع الرمي فلها أن تنيب غيرها .
وتستطيع المرأة الحائض والنفساء أن تفعل ما يفعله الحاج باستثناء الطواف بالبيت ، فلا يجوز لها حتى تطهر؛ لأن النبي ﷺ قال للسيدة عائشة – رضي الله عنها- ” افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري”
فإن طهرت قبل سفرها اغتسلت وطافت طواف الإفاضة ثم أتمت حجها ، ولها أن تعمل جميع أعمال الحج من ذكر، ووقوف بعرفة ، ورمي جمار وغيرها من أعمال الحج ، وإذا وصلت الحائض والنفساء الميقات وطهرها لن يكون إلا بعد الوقوف بعرفة فتحرم بالحج ويكون نسكها الإفراد أو القران ، أما لو أحرمت متمتعة ثم حاضت قبل الطواف فتحول نسكها للقران كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها ” يسعك طوافك لحجك وعمرتك ” ، فإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة ؛ لأنها لا يمكنها إنهاء عمرتها قبل عرفة والحج هنا مقدم ؛ لأنها أتت لأجل الحج وقد لا يتيسر لها مرة أخرى .
*سقوط طواف القدوم والوداع على الحائض والنفساء*
وطواف القدوم للقارن والمفرد حكمه سنة فيسقط على الحائض والنفساء ، ففي مسند الإمام أحمد عن سيدنا عروة بن مضرس الطائي قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموقف ، فقلت: جئت يا رسول الله من جبلي طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه، هل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أدرك معنا هذه الصلاة ، وأتى عرفات قبل ذلك، ليلا أو نهاراً تم حجه ، وقضى تفثه ” فلم يلزمه قبل وقوفه بعرفة بشيء.
كما يسقط عنها أيضاً طواف الوداع ، ففي صحيح مسلم عن سيدنا ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض»
وهكذا يظهر أن الشريعة لم ترد من المرأة في الحج المشقة أوالعنت، وإنما أرادت تحقيق العبادة مع حفظ الكرامة والحياء ومراعاة الطاقة البشرية، في صورة عظيمة من صور الرحمة والتيسير مصداقاً لقوله ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ( الحج 78) ولقوله ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة (185) فاللهم لك الحمد على شريعة قامت على الرحمة و اليسر ورفع الحرج ، ونسألك يارب أن ترزق نساء المسلمين التفقه في دينك ، وأداء المناسك على الوجه الذي يرضيك، واجعل حج الحجيج مبرورًا، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً ، واحفظ أوطاننا وبلاد الحرمين وسائر بلاد المسلمين من كل شروسوء ، وأدم علينا الأمن والأمان والسلام والبركات ، وارزقنا حج بيتك الحرام وزيارة نبيك وحبيبك عليه أفضل الصلاة والسلام .











