بقلم: د. ميمونة سري
في ثنايا القرآن الكريم ترد قصة أصحاب الكهف في سورة الكهف، لا باعتبارها سرداً تاريخياً فحسب، بل نموذجاً حياً يتقاطع فيه الإيمان مع سنن الكون، وتلتقي فيه الهداية الربانية مع إشارات علمية تثير التأمل والتدبر.
معجزة تتجاوز حدود المألوف
يخبرنا القرآن عن فتية آمنوا بربهم ففرّوا بدينهم، ولجؤوا إلى كهف، وهناك وقعت المعجزة:
﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾
لبثوا ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا (309 سنة)، في حالة من النوم والسكون التام، دون أن تفنى أجسادهم أو تتلاشى وظائفهم الحيوية.
هذا الحدث يفتح باب التساؤل: كيف يمكن لجسد بشري أن يظل حياً كل هذه المدة؟
جاء الوصف القرآني محمّلًا بتفاصيل دقيقة تشير إلى عناية إلهية متكاملة:
التقليب المستمر:
قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾
وهي إشارة إلى منع تآكل الأنسجة وظهور تقرحات الفراش الناتجة عن الثبات الطويل، وهو ما تؤكده مبادئ الطب الحديث في العناية بالحالات الممتدة من فقدان الحركة.
الهندسة الضوئية للكهف:
قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ… وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ﴾
يوحي هذا الوصف بتوازن دقيق بين الضوء والظل، يسمح بدخول أشعة الشمس بشكل غير مباشر، بما يحقق التدفئة والتعقيم دون إضرار حراري.
الحماية الوقائية:
قال تعالى: ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ﴾
هيئة مهيبة ألقاها الله عليهم، فكانت سبباً في حفظهم من أي اعتداء خارجي، سواء من إنسان أو حيوان.
الزمن بين الشعور والحقيقة:
من أعمق ما في القصة قولهم بعد استيقاظهم:
﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾
بينما الحقيقة أنهم لبثوا قروناً. هنا تتجلى فكرة نسبية الإحساس بالزمن؛ فالإدراك البشري للوقت ليس مطلقًا، بل مرتبط بالحالة الواعية والنشاط العصبي.
إن تعطيل الحواس كما في قوله تعالى: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ ﴾ يُدخل الإنسان في حالة سبات عميق، تتباطأ فيها العمليات الحيوية، وهو ما يشبه – من حيث المبدأ – ما يعرف علميًا بحالات “البيات” أو “التعليق الحيوي”.
بين الإعجاز والعلم
لا تهدف القصة إلى تقديم نظرية علمية بقدر ما تفتح آفاق التفكير؛ فهي تضع الإنسان أمام حقيقة أن قوانين الكون خاضعة لإرادة الخالق، وأن ما نراه مستحيلًا قد يكون ممكنًا بإرادة الله.
ختاماً
تبقى قصة أصحاب الكهف شاهدا ًعلى التلاقي بين القرآن والعقل، وبين الغيب والمشاهدة، لتؤكد أن الإيمان لا يعارض العلم، بل يفتح له أبوابا ًأوسع للفهم والتأمل











