بقلم الدكتور/ غانم السعيد
ليست كلُّ البطولاتِ هديرَ مدافع، ولا كلُّ الانتصاراتِ صليلَ سيوف. فكم من معركةٍ حُسمت في صمت القاعات، لا في ضجيج الميادين، وكم من نصرٍ صاغه قلمٌ واعٍ، وعقلٌ راجح، وضميرٌ لا يعرف المساومة.
في زمنٍ كانت فيه السياسةُ ساحةً أشدَّ وطأةً من ميادين القتال، خاضت مصر واحدةً من أشرس معاركها؛ معركةَ الحقِّ في وجه المراوغة، والحقيقةِ في مواجهة التزييف، والصبرِ في مواجهة التسويف. كانت الأرضُ المتنازع عليها قطعةً عزيزةً من تراب الوطن: طابا، آخر ما تبقّى من سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد اتفاقية كامب ديفيد.
وحين حاولت إسرائيل أن تلتفَّ على الاستحقاق، وأن تُبقي يدها على ما ليس لها، لم يكن أمام مصر إلا أن ترفع أوراقها إلى ساحة القضاء الدولي، إيمانًا منها بأن الحقَّ إذا تسلّح بالحجة لا يُغلب. هناك، في أروقة التحكيم الدولي، وقف رجالٌ يحملون تاريخ وطنٍ كامل على أكتافهم، وكان في مقدمتهم الأستاذ الدكتور مفيد شهاب أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة.
لم يكن يحمل سلاحًا، بل حمل وثائق وخرائط، وشهادات تاريخ، وحُججًا دامغة. لم يكن صوته صخبًا، بل كان يقينًا. صال وجال أمام القضاة، لا بروح الخصومة، بل بروح المدافع عن كرامة وطنٍ لا يقبل أن يُنتقص من ترابه شبر. كان يعرف أن المعركة ليست أوراقًا تُقدَّم، بل تاريخًا يُستعاد، وحقًا يُسترد، وسيادةً تُصان.
وحين عاد الحكم لصالح مصر، وعادت طابا إلى حضن الوطن، لم يرتفع صوت الرجل طالبًا مجدًا، ولم يسعَ إلى أضواء، بل الأضواء هي التي جاءته تطلبه فتولى من المناصب ما كلف به، وفي مرحلة معينة من تاريخ الوطن انسحب من الساحة في هدوء العارفين بأنهم أدّوا الأمانة، وترك اسمه يُكتب في سجلّ الوطن بأحرفٍ من نور.
واليوم، يرحل البطل في صمتٍ مهيب، كما عاش في صمت العاملين المخلصين؛ لا ضجيج يحيط برحيله، ولا صخب يوازي قدر عطائه، لكن قلوبًا كثيرة تعرف أن رجلًا من رجالات مصر الكبار قد مضى، وأن صفحةً مشرقةً من صفحات الوطنية قد طُويت.
وداعًا بطل موقعة طابا…
نم قرير العين، فقد حفظتَ الأمانة، وأديتَ الرسالة، وأعدتَ للوطن قطعةً من روحه.
اللهم اغفر له وارحمه، وأجزه عن مصر وأهلها خير الجزاء، واجعل ما قدمه في ميزان حسناته، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.











