بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
الشخصية الكمالية هي شخصيةٌ تميل إلى الإتقان، وتحرص على أن تؤدي أعمالها بأفضل صورةٍ ممكنة، وتسعى دائمًا إلى أن يكون ما تقدمه دقيقًا ومنظمًا وخاليًا من النقص، وهذه الصفات في أصلها صفاتٌ محمودة؛ لأنها تدفع الإنسان إلى الاجتهاد وتحسين عمله والارتقاء بما يقوم به.
غير أن الكمالية ليست دائمًا على هذا الوجه المشرِق؛ فحين تتجاوز حدّها الطبيعي قد تتحول من سعيٍ جميل إلى عبءٍ ثقيل، ومن حرصٍ على الإتقان إلى ضغطٍ دائم يرهق النفس ويضيق به صاحبه ويضيق به مَن حوله .. وعندما تأخذ الكمالية هذا الوجه السلبي يعيش صاحبها حالةً مستمرةً من البحث عن الصورة المثالية لكل شيء؛ فهو يريد عملًا بلا خطأ، وإنجازًا بلا نقص؛ ولذلك قد يقضي وقتًا طويلًا في أمرٍ بسيطٍ لأنه يريد أن يخرج في أبهى صورةٍ ممكنة، وإذا حدث خطأٌ صغيرٌ فإنه يشعر بانزعاجٍ واضحٍ وكأن ما حدث تقصيرٌ كبيرٌ، مع أن غيره قد يراه أمرًا عاديًّا لا يستحق هذا القدر من القلق.
ومن السمات التي تظهر كثيرًا لدى صاحب هذه الشخصية عدمُ الرضا عمّا ينجزه؛ فقد يعمل بجدٍ، وينتهي من عمل جيد، ومع ذلك يظل منشغلًا بما يراه نقصًا فيه، وربما يلتفت إلى خطأ صغير ويتجاهل العمل الكبير الذي نجح فيه، وهكذا يعيش هذا الكماليّ شعورًا داخليًّا بأن ما يفعله أقل مما ينبغي، حتى وإن كان في نظر الآخرين عملًا ناجحًا ومقبولًا.
كما أن الشخص الكمالي – في صورته السلبية – يميل إلى التدقيق الزائد في التفاصيل؛ فالأمور التي يمر بها الناس بسهولةٍ قد يتوقف عندها طويلًا، ويعيد النظر فيها مرةً بعد أخرى، وقد يؤخر إنجاز بعض الأعمال لأنه يريد أن تكون كاملةً تمامًا قبل أن يقدّمها، ومع الوقت قد يتحول هذا الحرص الزائد إلى نوعٍ من الإرهاق؛ لأنه يظل دائمًا يشعر بأن عليه أن يصل إلى الصورة المثالية التي يتخيّلها.
ومن السمات المرتبطة بهذه الكمالية كذلك القسوة على النفس عند الخطأ؛ فبدلًا من أن يرى الخطأ خطوةً طبيعيةً في طريق التعلم، قد يلوم نفسه بشدةٍ أو يشعر بأنه لم يكن على المستوى الذي ينبغي، وقد يقارن نفسه دائمًا بصورةٍ مثاليةٍ يتخيلها في ذهنه؛ فيشعر أنه لم يصل إليها بعد، مهما حقق من إنجازات.
وقد تمتد هذه النظرة أحيانًا إلى توقع الكمال من الآخرين؛ فيتمنى أن تسير الأمور من حوله بالدقة نفسها التي يتخيلها، وأن يؤدي الآخرون أعمالهم دون تقصير أو خطأ، وحين لا يحدث ذلك قد يشعر بالضيق أو الاستياء؛ لأن الواقع لا يسير دائمًا وفق الصورة المثالية التي رسمها في ذهنه.
وهكذا نرى أن الكمالية حين تتجاوز حدَّها الطبيعي تتحول من صفةٍ بنّاءة إلى ضغطٍ نفسي؛ فالسعي إلى الإتقان جميلٌ ومطلوبٌ، لكن تحويله إلى سعيٍ دائمٍ للكمال المطلق قد يجعل الإنسان يعيش في دائرةٍ من القلق والتوتر؛ لأنه يطلب من نفسه – ومن الآخرين أحيانًا – أمرًا يبدو مستحيلًا في أغلب الأوقات.
ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصيةُ الكمالية؟
لا تتكوَّن الشخصية الكمالية في صورتها السلبية فجأة، بل تتشكل عبر سنوات من التجارب الصغيرة التي يتعلم فيها الإنسان – دون أن يشعر – أن القيمة الحقيقية للأشياء لا تكون إلا إذا كانت كاملة تمامًا؛ فربما ينشأ الإنسان في بيئة يُكافأ فيها على الإنجاز المتقن، وهذا أمرٌ حسنٌ في الأصل، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الإتقان من تشجيعٍ جميل إلى معيارٍ صارمٍ لا يقبل الخطأ ولا النقص، ومع تكرار هذا المعنى يتكوّن في داخله اعتقادٌ خفي يقول له: إما أن يكون العمل كاملاً، أو لا يكون له قيمة تُذكر .. وفي بعض الأحيان تتشكل هذه الشخصية عندما يعتاد الإنسان منذ صغره أن يُقاس بما ينجزه لا بما يبذله من جهد؛ فإذا سمع عبارات مثل “لماذا لم يكن عملك أفضل من ذلك؟” أو “كان يمكن أن يكون عملك أكثر كمالًا من ذلك”، فإنه يبدأ شيئًا فشيئًا في بناء صورةٍ داخليةٍ مثاليةٍ لكل ما يفعله، ومع مرور الوقت تصبح هذه الصورة معيارًا دائمًا يقيس به نفسه وأعماله، فإذا اقترب منها شعر بالرضا، وإذا ابتعد عنها قليلًا شعر بأنه لم ينجح كما ينبغي، حتى لو كان ما فعله جيدًا في نظر الآخرين.
وقد تتكون هذه الشخصية حين يتعود الإنسان على أن يربط رضاه عن نفسه بدرجة إتقان ما يقوم به؛ فبدلًا من أن يرى العمل تجربةً قابلةً للتحسين والتطوير، يبدأ في التعامل معه وكأنه امتحانٌ دائمٌ لكفاءته، فإذا نجح شعر بارتياحٍ مؤقت، وإذا وجد فيه نقصًا ولو بسيطًا شعر بعدم الرضا، ومع تكرار هذا الأسلوب في التفكير يتشكل داخله صوتٌ دائمٌ يدعوه إلى مزيد من التدقيق ومزيد من التحسين، حتى يصبح الوصول إلى الرضا أمرًا صعبًا .. ومن العوامل التي تسهم كذلك في تكوين هذه الشخصية أن بعض الناس يعتادون مقارنة أنفسهم بالصورة المثالية التي يتخيلونها للأشياء؛ فهم لا ينظرون إلى الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يكون في تصورهم، فبدلًا من أن يروا العمل الجيد عملاً ناجحًا، فإنهم يقارنونه بالصورة الكاملة التي رسموها في أذهانهم، ومع الوقت تصبح هذه المقارنة عادةً ذهنية، تجعلهم يشعرون بأن ما تحقق دائمًا أقل مما يجب أن يكون.
وقد تنمو هذه الكمالية أيضًا عندما يتعود الإنسان على أن يحمِّل نفسه مسؤولية كل تفصيلة مهما كانت صغيرة، ومن ثم يتعامل مع الأمور وكأن كل جزء فيها يجب أن يكون في أفضل صورة ممكنة، وهكذا تتسع دائرة التوقعات شيئًا فشيئًا، حتى يجد الإنسان نفسه مطالبًا بالكمال في أشياء كثيرة من حياته .. ومع تراكم هذه الخبرات تتشكل الشخصية الكمالية السلبية على نحو تدريجي؛ فيصبح الإنسان شديد الحرص على الصورة المثالية، شديد التدقيق في التفاصيل، سريع الانشغال بما يراه نقصًا في العمل، وهكذا يتحول السعي الطبيعي للإتقان إلى حالةٍ دائمةٍ من مطاردة الكمال، وكأن الإنسان يركض خلف صورةٍ جميلةٍ يتمنى بلوغها، لكنها كلما اقترب منها خطوة، ابتعدتْ عنه خطوة أخرى.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يستفيد الشخص الكمالي من رمضان؟
الشخصية الكمالية في صورتها السلبية تعيش غالبًا تحت ضغطٍ داخلي يدفعها إلى أن يكون كل شيء كاملًا بلا نقص، وأن تسير الأمور وفق صورةٍ مثاليةٍ لا تقبل الخطأ، لكن رمضان يأتي برسالةٍ تقول للنفس: إن الحياة ليست ساحةً للكمال المطلق، بل ميدانٌ للسعي والتدرّج والتعلم من الأخطاء؛ ففي هذا الشهر يتعلم الإنسان أن العمل الصادق – ولو كان بسيطًا – له قيمته الكبيرة عند الله، وأن النية الخالصة قد ترفع العمل الصغير حتى يصبح عظيم الأثر .
ومن هنا يبدأ التأثير العميق لرمضان في هذه الشخصية؛ فهو يفتح أمامها بابًا جديدًا لفهم معنى القبول لا الكمال؛ فالصائم قد يجتهد في عبادته، لكنه يعلم أن الله لا يطلب منه الكمال المطلق، بل يطلب منه الصدق في المحاولة والإخلاص في العمل، ومع تكرار هذا المعنى يومًا بعد يوم، قد يكتشف صاحب الشخصية الكمالية أن قيمة الإنسان لا تُقاس بأن يكون عمله بلا نقص، بل بأن يبذل جهده بصدق، وأن يبتغي به وجه الله سبحانه.
كما يُعلّم رمضان هذه الشخصية درسًا آخر في غاية الأهمية، وهو التوازن بين الجهد والسكينة؛ فالشخص الكمالي قد يعيش عادةً في حالة من الانشغال المستمر بتحسين كل شيء حوله، وكأن الحياة مشروع دائم للتصحيح والتعديل، لكن رمضان يفتح له لحظات من الهدوء، سواء في قراءة القرآن، أو في الدعاء، أو في الجلوس بعد الصلاة، وفي هذه اللحظات يدرك الإنسان أن بعض الأشياء الجميلة في الحياة لا تحتاج إلى الإتقان الشديد بقدر ما تحتاج إلى حضور القلب وصفاء الروح.
ومن الجوانب الجميلة أيضًا أن رمضان يعلّم صاحب هذه الشخصية قبول النقص البشري الطبيعي؛ فليس كل يوم من أيام الصيام يكون على الدرجة نفسها من النشاط، وليس كل عبادة يؤديها الإنسان تكون بالخشوع ذاته، ومع ذلك يواصل الصائم طريقه دون أن يتوقف؛ لأنه يدرك أن التفاوت أمرٌ طبيعي في حياة البشر، وهنا يبدأ الشخص الكمالي في تعلم درسٍ مهم، وهو أن الاستمرار في العمل قد يكون أجمل من محاولة الوصول إلى صورة كاملة ربما لا تتحقق.
كما يمنح رمضان هذه الشخصية فرصةً لاكتشاف لذة البساطة؛ فالإفطار البسيط مع الأسرة، أو جلسة هادئة بعد صلاة التراويح، أو صدقة صغيرة يقدمها الإنسان في صمت، كل هذه المواقف تعلمه أن قيمة الأشياء لا تأتي دائمًا من كمالها، بل من صدقها، ومع هذا الإدراك يبدأ شعوره بالضغط يتراجع، لأنه يتعلم أن الحياة لا تكون دائمًا كاملة في كل تفاصيلها .. وهكذا يتحول رمضان بالنسبة لصاحب الشخصية الكمالية السلبية إلى رحلةٍ من التشدد إلى الطمأنينة، رحلة يتعلم فيها أن السعي الجميل أهم من الصورة الكاملة، وأن الرضا أفضل بكثير من المثالية المرهقة، وأن القلب حين يتصالح مع فكرة النقص البشري الطبيعي يصبح أكثر هدوءًا وأقرب إلى السكينة؛ فليس المطلوب من الإنسان أن يكون كاملًا في كل شيء، بل أن يكون صادقًا في طريقه، مخلصًا لربه، سائرًا نحو الأفضل خطوةً بعد خطوة.
ولكن كيف نتعامل مع الشخص الكمالي في رمضان؟
التعامل مع الشخصية الكمالية في صورتها السلبية يحتاج إلى قدرٍ من الحكمة؛ لأن صاحب هذه الشخصية لا يقصد التعقيد ولا يريد أن يرهق نفسه أو غيره، لكنه يعيش تحت ضغط داخلي يجعله يبحث دائمًا عن الصورة المثالية لكل شيء، ومن الأساليب اللطيفة في التعامل مع هذا الشخص أن نساعده على رؤية جمال “الكفاية” بدلًا من مطاردة “الكمال”؛ فبدلًا من أن نناقشه كثيرًا في ضرورة ترك المثالية، يمكن ببساطة أن نُظهر تقديرنا للأعمال التي أنجزها حتى وإن لم تكن في نظره كاملة، فكلمة تقدير صادقة قد تفتح له بابًا جديدًا للنظر إلى عمله بعين الرضا، فالشخص الكمالي يحتاج أحيانًا إلى من يذكّره بأن العمل الجيد كافٍ في كثير من الأحيان، وأن الجهد المبذول له قيمته حتى لو لم يصل إلى الصورة المثالية التي تخيلها.
كما أنه يمكن أن نقسم له الأمور إلى خطوات صغيرة واضحة؛ فالشخص الكمالي قد يتعب لأنه ينظر إلى العمل كله مرة واحدة، ويريد أن يكون كاملًا من البداية، أما إذا ساعدناه على النظر إلى الأمور جزءًا جزءًا، فقد يشعر براحةٍ أكبر، وفي رمضان مثلًا يمكن أن نشجعه على أداء الأعمال بهدوء وعلى مراحل؛ كأن ينجز جزءًا من عمله ثم يستريح، أو يشارك في نشاط بسيط دون أن يشعر أن عليه أن يجعل كل شيء مثاليًا منذ اللحظة الأولى.
كما يفيد كثيرًا في التعامل معه أن نجعل الأجواء حوله بسيطة غير رسمية؛ فالشخص الكمالي يتوتر غالبًا حين يشعر أن كل شيء يجب أن يكون مضبوطًا بدقة، لكن في رمضان يمكن أن تكون بعض المواقف اليومية فرصةً لتخفيف هذا الشعور؛ كجلسة إفطار عفوية، أو مشاركة عائلية بسيطة لا تهتم كثيرًا بالتفاصيل الدقيقة، وهذه اللحظات قد تعلمه أن الجمال أحيانًا يكمن في العفوية، وأن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى ترتيب مثالي حتى تكون جميلة.
ومن الأساليب الجميلة كذلك توجيه اهتمامه نحو المعنى والمضمون لا الشكل؛ فبدلًا من التركيز على أن تكون الأمور متقنة في ظاهرها، يمكن أن نشجعه على الالتفات إلى روح العمل ومعناه، وفي رمضان مثلًا قد نذكّره بأن صدقةً صغيرةً قد يكون أثرها أعظم من عملٍ كبيرٍ أُنجِز بتعبٍ شديد، وأن لحظةَ إخلاصٍ في الدعاء قد تكون أعمق أثرًا من ترتيبٍ طويلٍ للتفاصيل، وحين يكتشف هذا المعنى فإنه قد يبدأ تدريجيًّا في تخفيف ضغط الكمال الذي يضعه على نفسه.
ومن الطرق المؤثرة أيضًا تعليمه قيمة الاستمرار والمداومة؛ فالشخص الكمالي قد يتردد أحيانًا في بدء بعض الأعمال لأنه يريد أن تكون في أفضل صورةٍ ممكنةٍ، لكن تشجيعه على البدء ولو بخطوةٍ بسيطةٍ قد يساعده كثيرًا، وفي رمضان مثلًا يمكن أن نقترح عليه أعمالًا صغيرةً مستمرةً، مثل: قراءة صفحات قليلة من القرآن، أو صدقة يسيرة، أو مساعدة بسيطة للآخرين، ومع الوقت سيكتشف أن الاستمرار البسيط قد يكون أجمل من محاولة القيام بعمل كبير كامل ربما لا يبدأه أصلًا .. وأخيرًا فإن من أجمل ما يمكن تقديمه لصاحب هذه الشخصية في رمضان بيئةً يسودها الهدوء والتقدير لا النقد والمقارنة؛ فحين يشعر أن مَن حوله يقدرون جهده ولا يطالبونه بالكمال، يبدأ شيئًا فشيئًا في تخفيف القسوة التي يفرضها على نفسه، وهكذا يصبح الشهر الكريم فرصةً ليتعلم هذا الكمالي أن الحياة ليست سباقًا نحو الكمال المطلق، بل هي رحلة هادئة نسعى فيها لأن ننال من ربنا القبول، نسيرها خطوة بعد خطوة، بروحٍ مطمئنة وقلبٍ سليم.
وفي الختام فإن رمضان مدرسةٌ يتعلم فيها الإنسان أن الكمال لله وحده، وأن ما عليه إلا أن يسعى فيُحسِن السعي، وأن يعمل فيُخلِص العمل، ثم يمضي راضيًا، وقلبه مطمئنٌ بأن الله يقبل العمل الصغير مع الصدق، ويبارك الجهد القليل مع الإخلاص، ومن هنا يكون رمضان بدايةً تتخلى فيها النفس عن مطاردة الكمال، وتعيش خلالها جمال الاعتدال.
كل رمضان أنتم أكثرُ فهمًا لحدود البشر، ووعيًا بأن الكمال لله وحده، وحكمةً في التعامل مع أصحاب الشخصية الكمالية السلبية 🌙











