عين زبيدة وستائر الخيزران .. حين صنعت المرأة تاريخاً من العطاء والإحسان في موسم الحج
بقلم : د/ دينا سامي – عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*رحلة الحج منبعاً للمنافع الدينية والدنيوية*
حين دعا الخليل إبراهيم عليه السلام الناس إلى الحج، لم يكن المقصود مجرد اجتماع الأجساد حول البيت العتيق فقط ، وإنما أراد الله لهذا الموسم العظيم أن يكون ملتقىً للإيمان، ومنبعًا للمنافع التي تمتد إلى الدين والدنيا معًا، مصداقاً لقوله تعالى ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج 28) فهي منافع تتجاوز حدود الشعائر إلى بناء الإنسان، وإحياء معاني التكافل، وصناعة الحضارة والعمران في الأرض .
وفي هذا الميدان المبارك سطّرت نساء خالدات صفحاتٍ من النور، فحوّلن مشاعر الرحمة في قلوبهن إلى مشاريع باقية وآثارٍ ما زالت تنبض بالحياة إلى اليوم ، فجمعن بين عبادة القلوب وبناء الحضارة، وبين صفاء الروح وروعة الإحسان .
وفي هذا الشأن يتحدث الدكتور محمد رجب البيومي – رحمه الله -عن بعض زائرات البيت الحرام قائلاً : لقد حفظ التاريخ أسماء عزيزة لسيدات فضليات من زائرات البيت الحرام في موسم الحج، كانت زيارتهن لبيت الله مصدر خير ويمن ؛ لأن الشعور الديني النبيل قد حملهن على أن يكن ذوات أثر طيب يبقى حديث الأجيال من بعدهن، والمرأة إذا كانت مؤمنة صادقة الإيمان، ووجدت في يدها سعة من الرزق فإن عاطفتها الدينية تدفعها إلى أن تقوم بما يشبع هذه العاطفة برًّا وفضلا ،. والواقع المشهود يسجل أن بعض الفضليات قد قمن بمآثر جليلة، أدت إلى خير العامة وأرسلت الألسن بالدعاء، ومن حق هؤلاء على التاريخ أن يرصد ما فعلنه ابتغاء مرضاة الله، مما تردد صداه في الصفحات على مر العصور.
*الخيزران بنت عطاء تقدم صورة مضيئة من البذل والعطاء في بلاد الحرمين.
تعدُّ الخيزران بنت عطاء زوجة الخليفة العباسي من أبرز النساء اللاتي جمعن بين المكانة السياسية، والاهتمام بأعمال البر، والعناية بالحرمين الشريفين وخدمة الحجاج ، وقد خلد التاريخ لها مواقف مشرقة في الحج بالإحسان والعمران الذي قدمته ، فأعظم ما يبقى من آثار الإنسان ما كان نافعًا للناس، ولذلك ارتبط اسمها بأعمال الخير والعمران أكثر من ارتباطه بمظاهر السلطان والجاه والملك
وقد سجلت في صحيفة أعمالها طرائف زاكية من أعمال البر تتجه كلها إلى إنشاء المساجد، ورعاية الأيتام، وطلبة العلم ، وتقديم العناية والرعاية للمرضى والمحتاجين ، ثم رأت أن تحج بيت الله الحرام فتهيأ لها من الموكب الحاشد ما يناسب قدرها العظيم كزوجة لأمير المؤمنين، وقد حملت من بغداد من أنواع الغذاء والكساء وبدرات المال، ما كان حديث الرائح والغادي في الموسم المشهود، وكانت تبذل الأموال بسخاء في تيسير المناسك على الحجاج، وتحرص على تفقد أحوال الناس في الطريق إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة ؛ وذلك لأنها كانت ترى أن خدمة ضيوف الرحمن من أعظم القربات إلى الله تعالى ، فأنفقت الكثير من الأموال في إصلاح الطرق، وتأمين المياه، وإقامة الاستراحات للمسافرين إدراكًا منها لما يعانيه الحجاج من مشقة السفر في ذلك العصر.
عنايتها بدار الأرقم من مآثرها الخالدة في موسم الحج*
ولم تكتف الخيزران بما تحمله في موكبها من الأطعمة والأشربة والكسوة من منافع للناس وخدمة لضيوف الرحمن بل بمجرد وصولها مكة المكرمة سألت عن دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وهي أول دار اجتمع فيها المسلمون لأداء الصلاة بعيدًا عن أنظار المتربصين، وكانت تعلم أن أبا جعفر المنصور اشتراها من حفدة الأرقم بمال كثير بذله في إرضائهم كي يتنازلوا عنها، ولكنها بقيت على حالها دون عمارة ما، في عهد المنصور فأرادت أن تحلها المحل اللائق بمنزلتها كأول معهد ديني في الإسلام، فاشترت ما حولها من الدور، وأحاطتها بسور متين، وقد كتب اسمها في لوحة تسجل مأثرتها، فكان الناس فيما بعد يسمونها دار الخيزران، ثم توالى تجديدها من بعد ذلك.
*من دار الأرقم إلى كسوة الحجرة الطاهرة*
وحين تركت الخيزران مكة قاصدة المدينة المنورة لزيارة صاحب الروضة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم رأت أن تكسو الحجرة الطاهرة بستائر حريرية مرصعة بالألوان الزاهية، وهي أول من كسا الحجرة الشريفة، وفرقت كثيرًا من الصدقات بهذه المناسبة السعيدة ، وأرضت شعورها الديني بما قدمت به في مكة والمدينة من أعمال.
وقد ذكر المؤرخون أنها قامت بكسوة الحجرة الشريفة بستائر فاخرة من الحرير، تعظيمًا لمقام رسول الله ﷺ ، وإكباراً وإجلالاً لأطهر بقاع الدنيا على الإطلاق ، وإظهارًا لمكانة المسجد النبوي في نفوس المسلمين. ، وكانت تلك الستور تُصنع بعناية وتُزيَّن بأجمل النقوش، في صورة من صور الاهتمام بعمارة المسجد النبوي والعناية بجماله وهيبته.
كما أسهمت الخيزران في تجديد بعض مرافق المسجد النبوي، والإنفاق على خدمته وخدمة زواره ، وهكذا تسابق الخلفاء والأمراء ونسائهم إلى خدمة البقاع المقدسة ابتغاء الأجر والثواب من الله ، وهكذا سخرت الخيزران مكانتها ونفوذها فيما ينفع الأمة ويخدم مقدساتها.
*بئر زبيدة .. من أعظم معالم السقيا في تاريخ الحج الإسلامي.
يُعدُّ ” بئر زبيدة ” أو ما ارتبط بمشروع زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد من أعظم معالم السقيا في تاريخ الحج الإسلامي، وقد مثَّل نقلة حضارية كبيرة في خدمة ضيوف الرحمن وتخفيف المشقة عنهم، خاصة في بيئة صحراوية عُرفت بندرة المياه وشدة الحر.
فقد أدركت زبيدة ما يعانيه الحجاج وأهل مكة من العطش وقلة موارد الماء، فأنشأت مشروعًا مائيًّا ضخمًا شمل حفر الآبار والعيون، وشق القنوات الممتدة عبر الجبال والأودية لجلب المياه إلى مكة والمشاعر المقدسة. ، وكان ” بئر زبيدة ” جزءًا من هذا المشروع العظيم الذي ارتبط باسمها وخلد ذكرها عبر التاريخ.
*عين زبيدة. .. معجزةُ عطاءٍ أعادت الماء إلى مكة بعد قرونٍ من زمزم وإسماعيل
وفي هذا الشأن أشار الدكتور محمد رجب البيومي إلى ما كتبه الأستاذ عبد الله عفيفي في الجزء الثاني من كتاب ” المرأة العربيىة ” حين قال : لم يكن لأهل مكة من المناهل إلا المسايل يجود بها المطر أحيانًا، وبعض الآبار التي تفيض آنا وتجف آنا، فإن جفاهم الغيث عامًا اشتد البلاء، أما الحُجاج فكانوا يحتملون من قرب الماء ما يئودهم ويوقر صدورهم، وقد أخذ بقلب السيدة زبيدة زوجة الرشيد ما علمت في حجها من أن راوية الماء تباع بدينار، وأن الفقير إنما يتبلغ بما يتساقط من قطرات الغني فاعتزمت أن تحفر لآل مكة، ولقصاد البيت الحرام نهرًا جاريًا، يتصل بالماء وبمساقط المطر، بالغًا من بعد الشقة ووعرة الطريق ما بلغت مساحته، ولم يسنح بخاطر أحد منذ عهد إسماعيل -صلوات الله عليه- حتى عهد زبيدة مثل هذا الخاطر الوثاب خاطر إجراء نهر بين شعاب مكة، بل ولم يتمنه متمن؛ لأنه أبعد من حد التمني.
*اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارًا ..كلمات سطرها التاريخ بحروف من نور
أما زبيدة التي تحكم على خراج الدولة الإسلامية فقد اعتزمت أن تجري هذا النهر مهما بلغت نفقاته ، دعت خازن أموالها وأمرته أن يدعو الخبراء والمهندسين والعمال من أطراف الأرض، ليُحفر النهر فاستعظم خازنها الأمر وما سيستنفد من المال فيه، فقالت له تلك الكلمة الخالدة: اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارًا، فأذعن وساق إلى مكة أهل الكفاية من كل مهندس وعامل، فأخذوا يصلون منابع الماء في شفعات الجبال، ويظاهرون ذلك بما يحتفرون من الآبار وما يعمقون من المسايل ثم يغلغلون ذلك بين أعطاف الصخور تارة وفي أعماق الأرض طورًا، حتى ينتهي ذلك إلى النهر الذي احتفروه …وهنا يسير الماء في فرعين يذهب أحدهما إلى عرفات، وينتهي الآخر إلى مسجد نمرة، ولكيلا يأسن الماء صُرف ما فضل منه من ري الظمأ إلى بركة ” ماجن ” بالمسفلة، وزرع حولها الزهر والثمر ، وهذا العمل الخارق في بابه لا يحتاج إلى تعليق ، وبهذا أسهم مشروع السيدة الفاضلة زبيدة في توفير المياه للحجاج في أثناء أداء المناسك خاصة في أيام الحر والزحام الشديد ، والتخفيف من معاناة السفر الطويل في طرق الحج القديمة التي كانت تفتقر إلى مصادر المياه.، والإسهام في عمران مكة والمشاعر المقدسة وتحسين حياة سكانها وزوارها ، كما جسد هذا العمل روح التكافل والإحسان في الحضارة الإسلامية، وإبراز الدور الحضاري للمرأة المسلمة في أعمال البر والمشروعات العامة النافعة ،
وقد ظل مشروع زبيدة المائي قرونًا طويلة يؤدي دوره في سقيا الحجيج حتى صار مضربًا للمثل في العطاء الخالص ، وهكذا فهمت الخيزران وزبيدة أن أعظم ما يخلده الإنسان بعد رحيله هو نفعٌ يجري لعباد الله، ورحمةٌ تظلل العابرين إلى بيت الله الحرام ، فيا رب كما جعلت من أعمالهن نورًا باقياً في طرق الحجيج، اجعل لبلادنا نصيبًا من كل خيرٍ وعمران، واحفظ مصرنا الغالية آمنةً مطمئنةً سخاءً رخاءً، واجعلها دائمًا حصنًا للإيمان والعلم والخير، وبارك اللهم في أرض الحرمين الشريفين، واحفظها بحفظك، وأدم عليها نعمة الأمن والطهر وخدمة ضيوف الرحمن ، وارزقنا يارب بفضلك وكرمك حج بيتك الحرام وزيارة نبيك عليه أفضل الصلاة والسلام .











