بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
هل سبق أن شعرت بأن ذهنك يركز على العقبات أكثر من التركيز على الحلول؟ هل تميل إلى تضخيم المشكلات الصغيرة وتحويلها في ذهنك إلى كوارث؟ هل تجد نفسك تلقي باللوم على الآخرين عند مواجهة أي صعوبة؟ إذا لاحظت هذه الأمور في نفسك، فقد يكون تفكيرك يميل إلى السلبية.
التفكير السلبي يجعلنا نركز على المشاكل والصعوبات والأخطاء أكثر من الفرص والحلول، هو عدسة مظلمة نرى بها العالم، تجعلنا نبالغ في تقدير العقبات .. بل إن هناك شكلًا آخر شائعًا من التفكير السلبي يجعل صاحبَه يُرجع الأحداث إلى أسبابٍ خارجيةٍ غير حقيقية؛ فتراه يُلقي باللوم على الآخرين أو الظروف عندما يواجه الفشل أو الصعوبات، بينما يرى أن نجاح الآخرين يكون عادةً بسبب الحظ أو الوساطة أو أي شيء آخر غيرِ المجهود والسعي، ويفسّر أيّ فشلٍ في حياته بأنه نتيجةٌ لحسد الآخرين له، أو هناك من يعمل له السحر والأعمال، أو أيّ شيء خارج عن إرادته.
هذا النمط من التفكير يجعل الإنسان غير مسؤول عن أفعاله ويخلق شعورًا دائمًا بالعجز، ويزيد من التوتر والشكوى المستمرة، كما أنه يعيق القدرة على التعلُّم من التجارب؛ لأن الشخص لا يرى الأسبابَ الحقيقية وراء ما يحدث له، وعادةً ما يصاحب هذا النوع من التفكير شعورٌ بالغيرة أو الحسد أو الظلم المستمر .. وهذا النمط لا يؤثر فقط على شعورنا، بل يسرق طاقتنا، ويُضعِف ثقتنا بأنفسنا، ويزيد من القلق والتوتر، حتى أن تأثيره يمتد أحيانًا إلى الجسد؛ فتظهر عليه العديد من الأمراض العضوية، كما يؤثر على علاقاتنا بالآخرين؛ فيجعلنا أكثرَ حساسية، وأقلَّ قدرة على التعامل بهدوء مع من حولنا.
رمضان يحمل فرصةً استثنائيةً لتغيير هذا النمط من التفكير، وتحويله إلى تفكير إيجابي؛ لأن الصيام يدربنا على الصبر وضبط النفس، وعندما نتعلم أن نؤجل رغبة الطعام والشراب، يصبح من الأسهل أن نؤجل رد الفعل الغاضب أو الفكرة السلبية أو المتشائمة؛ فالصيام يقوّي إرادتنا، والإرادة القوية تجعل من السهل تعديل طريقة التفكير .. كما أن أجواءَ رمضان الروحية تمنح شعورًا بالطمأنينة، والطمأنينةُ تقلل القلق، والقلقُ هو من أكبر مصادر التفكير السلبي.
كما أن الصيام يخلق مساحةً هادئةً للتأمل، تسمح لك بملاحظة تلك الأفكار قبل أن تسيطر عليك؛ فحين تواجه موقفًا صعبًا، لا ينبغي أن تسير وراء أول فكرة ترد على ذهنك، بل توقف لحظة، وخذ نفسًا عميقًا، واسأل نفسك: ما السبب الحقيقي لهذا الوضع؟ ما الذي يمكنني فعله لتحسينه؟ مجرد هذا التوقف يحوّل ذهنك من رد فعل تلقائي إلى استجابةٍ واعيةٍ .. إن كل مرة تتوقف فيها قبل الانفعال أو قبل إطلاق فكرةٍ سلبية، فأنت تُدرّب عقلك على التفكير الإيجابي، وتحوّل التشاؤمُ إلى هدوءٍ وتفاؤل.
وقبل الإفطار درسٌ آخر يعلمك كيف تتخلص من التفكير السلبي، فقط عليك أن تتوقفَ قليلًا قبل الإفطار وتفكّر في ثلاث نعم بسيطةٍ لديك، قد تكون صحتَك، أو أسرتَك، أو حتى كوب الماءِ الذي تنتظره، هذا التمرين يُعيد توجيه عقلك نحو ما يملكه بدلًا من التفكير فيما ينقصه .. يمكنك أيضًا أن تُعيد صياغة أفكارك السلبية إلى أفكار أكثر توازنًا؛ فبدلًا من أن تقول “لم أنجح بسبب الآخرين” جرّب أن تقول “واجهتُ صعوبةً، لكني تعلمتُ منها دروسًا، وسأواصل حتى أنجح”، بدلًا من أن تنظر للفشل على أنه كارثة، اعتبرْه تجربةً تمنحك فرصةً للتعلُّم.
لكن لا تنتظر أن تُصبحَ إيجابيًّا طوال الوقت؛ يكفي أن تتحسن قليلًا كل يوم، ومع مرور أيام رمضان، ستلاحظ كيف تُصبح هذه الممارساتُ عادةً عقليةً جديدةً، تسمح لك بالتعامل مع المواقف المختلفة بتفكيرٍ إيجابي.
رمضانُ فرصةٌ لتعديل الأفكار السلبية، وتهذيب العقل، وبناء القدرة على رؤية الجانب المضيء في كل موقف .. ابدأ من اليوم بملاحظة فكرةٍ سلبيةٍ، لا تتسرع في الاستجابة لها، بل درّب عقلَك على التفكير في الموقف بإيجابية، واستبدل بالحديث السلبي الذي يدور في ذهنك حديثًا إيجابيًّا أكثر تفاؤلًا وأكثر تركيزًا على الحلول، حاول أن تفكّر في النعم التي لديك وفيما تملكه أكثر من التفكير فيما ينقصك، ابحث عن الأسباب الحقيقية للأشياء، ولا تعلّق فشلك على شماعة الأشياء الخارجة عن إرادتك، ثم انظر كيف ينعكسُ ذلك على شعورك وسلوكك .. مع الوقت ستكتشف أن مجرد تعديلٍ بسيط في طريقة تفكيرك يمكن أن يغيّر يومَك، بل حياتَك كلَّها.
كل رمضان أنتم قادرون على التخلص من التفكير السلبي.











