بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
تستخدم كلمة “سيكوباتي” لوصف شخص قاسٍ، عديمِ الرحمة، ضعيفِ التعاطف، يستهين بمشاعرِ الآخرين، ويغيب عنه الشعورُ الحقيقي بالذنب.. وهو شخصٌ قد يصعب عليك أن تميّزه بسهولة؛ لأنه قد يكون هادئًا، لبقًا، واثقًا من نفسه، بل أحيانًا يكون جذابًا في حضوره وحديثه، ولكن خلف هذا القناعِ توجد مجموعةُ صفاتٍ أخرى، أبرزها ضعف التعاطف؛ فهو لا يشعر بألم الآخرين، ولا يتأثر بمعاناتهم كما هو حال أغلب الناس؛ لذلك قد تراه يتصرف ببرود في مواقف يُفترض أن تثيرَ الحزن أو الشفقة.
كذلك يتميز السيكوباتي بالجرأة الزائدة وحبِّ المخاطرة، مع ميلٍ إلى كسر القواعد إذا رأى أن ذلك يخدم مصلحته؛ فهو لا يخاف العواقبَ كما يخافها غيره؛ لأنه لا يعيش القلقَ أو الشعورَ بالذنب بنفس الدرجة.
ومن صفاته أيضًا القدرة على الكذب بسلاسة، دون ارتباكٍ واضح؛ فقد يُغيّر روايته للأحداث دون أن يبدو عليه أيّ توتر، وغالبًا ما يبرّر أخطاءه بدلًا من أن يعترف بها، ويلقي اللومَ على الآخرين بسهولة .. وعندما يصل السيكوباتيّ إلى مرحلةٍ متقدّمةٍ من الاضطراب، فإنه يميلُ إلى العنف والأعمال الإجرامية؛ وذلك بسبب شعوره الدائم بأن العالم ضده، وأنه ضحيةٌ في هذا العالم، وأنه يستحق مكانةً أفضل وامتيازاتٍ خاصة؛ لإشباع رغباته، وتعويضه عما تعرَّض له في هذه الحياة غيرِ العادلة من وجهة نظره .. ومع ذلك من المهم أن أؤكد على أن وجود صفةٍ أو اثنتين لا يعني أن الشخصَ سيكوباتي؛ فالتشخيص الدقيق لا يتم إلا من خلال المختصين في الصحة النفسية.
والسؤال الآن كيف يكشفُ لنا رمضانُ هذه الشخصيةَ السيكوباتية؟
في رمضان قد تظهر هذه السمات السيكوباتية بصورةٍ أوضح، ومن ذلك أن ترى الشخص السيكوباتي لا يتأثر كثيرًا بالأجواء الروحية لهذا الشهر الكريم؛ فهو قد يحضر المجالس أو يصلي مع الجماعة، لكنه يتعامل مع الأمر كمناسبةٍ اجتماعية، وليس كعبادةٍ دينية من شأنها أن تصلح شخصيتَه؛ فلا يبدو عليه صراعٌ مع نفسه من أجل إصلاحها، ولا مراجعةٌ لسلوكياته المؤذية، وكأنّ الشهرَ يمرّ عليه بلا أيّ أثر.
كما ترى السيكوباتيَّ في رمضان يُكثر من اللعب على مشاعر الآخرين، مستغلًا رغبتهم في التسامح والعفو، فيتمادى في الأذى؛ لأنه يعلم أن الطرفَ الآخر قد يتنازل لأجل رمضان .. كما أنه قد يُظهر الاستهتار بمشاعر المتعبين أو الصائمين؛ فيَسخر من ضعفهم أو يضغط عليهم نفسيًّا في أوقات الإرهاق؛ فهو يرى في تعب الآخرين فرصةً للسيطرة .. وقد يميل إلى إشعالِ الخلافات ثم الانسحابِ ببرود، فيُلقي بكلمةٍ هنا وفتنةٍ هناك، ثم يراقبُ النتائج، وفي بيئةٍ رمضانيةٍ يسودها التقاربُ العائلي، يمكن أن تتحول هذه اللعبةُ إلى مشكلةٍ وفتنةٍ كبيرة بين الأقارب، ويكون سببُها في الحقيقة هو ذلك السيكوباتيُّ الوضيع، الذي ينسحبُ ببرودٍ، وكأنه لا دخلَ له فيما حدث.
هل يمكن أن يُعالج رمضانُ الشخصيةَ السيكوباتية؟
إذا كان الأمر اضطرابًا حقيقيًّا شديدًا، فالعلاج يحتاج إلى تدخلٍ متخصص طويل الأمد، ورمضانُ وحده لا يكفي .. لكن إذا كانت السماتُ خفيفةً أو في بداياتها، فإن الشهرَ الكريم قد يكون نقطةَ وعيٍ تجعل الإنسانَ يسأل نفسه: هل أنا شخصٌ قاسٍ؟ لماذا لا أشعر بالتعاطف تجاه أزماتِ الناس؟ لماذا أستهينُ بمشاعر الآخرين؟ لماذا لا أشعرُ بالذنب أو الندم عندما أخطئ؟ فالوعي بأن هناك مشكلةً هو أول خطوات العلاج.
وفي الحقيقةِ رمضانُ قد لا يغيّر شخصية الإنسان بين ليلةٍ وضحاها، لكنه يضعه في مدرسةٍ مختلفة تمامًا عن بقية العام، ففي رمضانَ يسمع الإنسانُ كل يومٍ عن الرحمة، والعدل، والحساب، وحقوق الناس، نعم قد لا يتحرك قلب السيكوباتيّ بسرعة، لكن عقلَه يفهم الرسالة، أن الأفعالَ لها عواقب.
ومن الجوانب المهمة تجربةُ الجوع نفسُها؛ فقد لا يشعر السيكوباتيُّ بتعاطفٍ مع الآخرين، لكنه حين يشعر بالجوع ويعيش هذا الضعفَ الإنساني قد تنكسرُ لديه فكرةُ القوةِ الدائمة، ويدرك أن الإنسان يمكن أن يكون ضعيفًا، محتاجًا، متعبًا .. ورمضانُ شهر الاستغفار، والدعاء، والحديث عن التوبة، وكل ذلك يضع السيكوباتيَّ أمام مواجهةٍ مع نفسه؛ فيدرّبه على الاعتراف بالخطأ، والتخلي عن التبرير المستمر.
لكن الحقيقةَ المهمة أن رمضانَ يفتح الباب، ولا يُجبر أحدًا على الدخول، فمن أراد أن يستفيد، سيجد في هذا الشهر تدريبًا رائعًا على ضبط النفس، وتحمل المسؤولية، ومراجعة السلوك .. أما من أغلق الباب، فقد يمر الشهر عليه كعادةٍ اجتماعيةٍ بدون أي تأثير .. رمضانُ لا يصنع ضميرًا جديدًا فجأة، لكنه قد يُوقظ ما تبقى من ضميرِك، أو على الأقل يُعلّم الإنسانَ كيف يغيّر من نفسه، وكيف يختارُ السلوك الصحيح.
ولكن كيف نتعامل مع الشخص السيكوباتي في رمضان؟
التعامل مع شخص يحمل سماتٍ سيكوباتيةً في رمضان يحتاج إلى هدوءٍ ووعي، بعيدًا عن الاندفاع والمواجهة الحادّة، وأول ما يجب فهمُه أن رمضانَ لن يغيّره فجأةً؛ فلا تَبْنِ توقعاتٍ عاليةً بأن الأجواء الروحية وحدها ستجعله أكثر رحمة، بل تعاملْ بواقعية، فهذا شخصٌ يفتقر للتعاطف، ويجيد التبرير، وربما لا يشعر بالندم كما تتوقع؛ لذلك من المهم جدًا ألا تقدّم له كثيرًا من التنازلات؛ لأنه إذا وجدك تتنازل باستمرار، سيتمادى؛ لذلك كن واضحًا فيما تقبَله وما ترفضه، بهدوٍء وثبات، دون صراخٍ أو انفعال، ولا تدخل في جدالٍ طويلٍ لإثبات خطئه؛ فهو يُجيد المراوغةَ وقلبَ الحقائق.
كذلك أنصحك ألا تعتمد على استثارةِ ضميره، فعباراتٌ مثل “اتقِ الله” أو “هذا يؤلمني” قد لا تُحدِث الأثر المتوقع، بدلًا من ذلك قل مثلًا “إذا تكرّرا هذا السلوك، سأبتعد أو سأفعل كذا” أو “لن أشاركَ في هذا الأمر” التعاملُ هنا يكون سلوكيًّا أكثر منه عاطفيًّا .. وفي رمضانَ تحديدًا تجنب المواجهات وقت الجوع والتعب، واختر أوقاتًا هادئةً للحديث مع هذا السيكوباتي، وركّز على الرسائل القصيرة المباشرة، ولا تفتح ملفاتِ الماضي كلِّها دفعةً واحدة، بل اختصر، وحدّد، وكن حاسمًا.
ومن المهم أيضًا ألا تسمح للشعور بالذنب أن يجعلك تتحمل ما لا يجب أن تتحمله، بحجةِ أن “رمضان شهرُ التسامح”؛ فالتسامحُ لا يعني أن تتحمّل منه الأذى المستمر .. وإذا كان بينك وبين هذا السيكوباتي علاقة قرابة أو زمالة أو نحو ذلك، فحاول أن تقلّل الاحتكاك في المواقف التي تُثير التوتر، واحرص على وجود طرفٍ ثالثٍ حكيمٍ في اللقاءات العائلية، فإن ذلك يقلّل من السلوكيات المؤذية.
وفي النهاية، فإن رمضانَ ليس عصًا سحريةً تُصلح كل نفس، لكنه مرآةٌ صادقةٌ تكشف ما بداخلها؛ فقد يمرّ الشهرُ على أحدنا فيلين قلبُه، ويحيا ضميرُه، ويبدأ رحلةَ إصلاحٍ حقيقيةً، وقد يمرّ على آخر فلا يترك فيه أثرًا يُذكر.. والشخصيةُ السيكوباتيةُ قد تنجح في إخفاءِ نفسها طويلًا، لكنها تنكشف في المواقف، وفي طريقة التعامل، وفي غياب الندم، وفي استغلال طيبة الآخرين.. ومع ذلك يبقى الأملُ قائمًا؛ فكل إنسانٍ يملك لحظةَ اختيار، ورمضانُ يمنحك هذه اللحظة؛ فإما أن يكون موسمَ مراجعةٍ صادقةٍ وتغييرٍ وإصلاحٍ للنفس، أو يبقى مجرد مناسبةٍ عابرة، والفرق في النهاية ليس في الشهر، بل فيمن يستقبلُ الشهر.
كل رمضان أنتم أكثر رحمةً، وتعاطفًا، وحكمةً في التعامل مع الأشخاص السيكوباتيين🌙.






