بقلم أد/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
الشخصية الميكافيلية تُنسب إلى أفكار السياسي الإيطالي نيكولو مكيافيلي، الذي ارتبط اسمه بفكرة أن “الغاية تبرّر الوسيلة”؛ فالشخص الميكافيلي يتعامل مع الناس باعتبارهم وسائل وأدوات يمكن من خلالهم تحقيق مصالح وغايات؛ فهو لا تحركه المشاعر بقدر ما تحركه النتائج، ولا يرى في العلاقات قيمةً في ذاتها، بل هي فرصة يمكن استثمارها؛ فهو بارع في قراءة الآخرين، ويعرف ماذا يحبون وماذا يكرهون، لكنه يستخدم هذه المعرفة للتأثير عليهم لا لمساعدتهم .. قد يجامل، ويبتسم، ويتقرب، ويُظهر الدعم، لكن كل خطوة محسوبة، والهدف النهائي منها هو تحقيق مصلحة شخصية.. وإذا تعارضت الأخلاق مع المصلحة، فهو يميل إلى اختيار المصلحة، ثم يبحث عن تبرير مقنع لذلك.
والميكافيلي لا يندفع مثل العصبي، ولا يتفاخر مثل النرجسي، بل يتصرف بهدوء، ويحسب خطواته بدقة، ويختار كلماته بعناية، وقد يبدو متعاونًا، لكنه في الحقيقة يخطط لما يخدمه أولًا .. وليست المشكلة في ابتسامته، ولا في ذكائه، ولا في تخطيطه، بل المشكلة حين تصبح العلاقات مجرد أدوات، وتصبح القيم قابلة للتفاوض، ويصبح الوصول أهم من الطريق.
كيف تظهر الميكافيلية في رمضان؟
رمضان شهر القيم، لكنه أيضًا شهر العلاقات الاجتماعية المكثفة: عزائم، لقاءات عائلية، أنشطة جماعية، صدقات .. وهنا قد تظهر الميكافيلية بطرق ناعمة؛ فقد يتحول العمل الخيري إلى وسيلة لبناء صورة اجتماعية تخدم مصالح مستقبلية، وقد تُستغل العزائم الرمضانية لكسب علاقات معينة يمكن استغلالها لاحقًا لتحقيق مصلحة خاصة بالميكافيلي، بل إن بعضهم قد يستخدم كلمات دينية مؤثرة لكسب ثقة الآخرين، بينما هدفه الحقيقي مختلف؛ فالميكافيلي لا يبحث عن الإعجاب فقط، بل عن التأثير والمصلحة والسيطرة الهادئة.
هل يمكن لرمضان أن يساهم في خفض الميكافيلية؟
الميكافيلية تحمل وراءها تفكيرًا تعلّمه الإنسان مع الوقت؛ فبعض الناس تعلموا منذ صغرهم أن العالم لا يرحم؛ فصاروا حريصين على مصلحتهم كل الحرص، ولو على حساب الآخرين؛ لذلك فإن رمضان يمكن أن يكون مساحة آمنة لتجربة نمطٍ مختلف يحرص فيه المسلم على أن يفعل الخير بلا مقابل.
والشخص الميكافيلي ليس غبيًّا، بل على العكس، هو ذكيّ جدًا، والمشكلة هنا ليست في الذكاء، بل في أن الذكاء أصبح سيدًا، بينما الضمير يجلس في المقعد الخلفي.
رمضان يأتي ليعيد ترتيب المقاعد؛ فالميكافيلي معتاد أن يسأل قبل أي خطوة: ماذا سأستفيد؟ رمضان يدعوه أن يسأل سؤالًا مختلفًا: هل هذا يرضي الله؟ وهنا يبدأ التحول؛ فأول استفادةٍ حقيقيةٍ يمكن أن يخرج بها هي تدريب النية، أن يفعل خيرًا لا يراه فيه أحد، صدقة خفية، مساعدة لضعيف دون أن يُذكر اسمه .. في البداية سيشعر وكأنه يخسر فرصة، لكن مع التكرار سيكتشف راحة لم يختبرها من قبل، إنها راحة الفعل الخالص لوجه الله.
كما أن الصيام يدربه على التعاطف؛ فالصيام تجربةٌ إنسانيةٌ مشتركة، عندما يجوع مثل غيره، ويتعب مثل غيره، يمكنه أن يرى الناس كأشخاص يشعرون ويتألمون، لا كأدوات تتحرك لمصلحته.
كما أن الصيام يجعله يراجع فلسفة الحياة نفسها؛ فهل النجاح هو أن أسبق الجميع ولو على حسابهم؟ أم أن النجاح هو أن أصل دون أن أدهس أحدًا؟ رمضان فرصة لطرح مثل هذه الأسئلة؛ فالميكافيلي قد يظن أن التخلي عن حساباته سيجعله ضعيفًا، لكن الحقيقة أن أعظم قوة هي أن تختار الصواب وأنت قادر على التلاعب، وأن تكون صادقًا وأنت قادر على الكذب، وأن تكون واضحًا وأنت قادر على المناورة.
رمضان لا يطلب منك أن تتخلى عن ذكائك، بل أن تطهره، لا أن تترك التخطيط، بل أن تربطه بالقيم، لا أن تتوقف عن الحرص على المصلحة، بل أن تضيف إليه الرحمة؛ فالذكاء حين يخدم فقط المصلحة فإنه قد يصنع نفوذًا، لكنه حين يخدم القيم فإنه يصنع إنسانًا راقيًا.
لكن كيف نتعامل مع الشخصي الميكافيلي في رمضان؟
إذا كان في محيطك شخص بهذه السمات، فلا تكن ساذجًا ولا عدوانيًا، بل تعامل بوضوح، والتزم القواعد التالية التي أوصيك بها:
– أولها أن تفهم طبيعة أسلوبه دون أن تعاديه؛ فلا تتعامل معه وأنت غافل، ولا تتعامل وأنت مشحون بالشك، كن يقظًا فقط؛ ففي رمضان قد يعرض الميكافيلي مساعدات، أو يقترح أفكارًا، أو يقود مبادرات .. لا ترفض لمجرد الشك، لكن اسأل دائمًا عن التفاصيل بوضوح؛ فالاتفاقات الواضحة تقلل المساحات الرمادية التي يحب الميكافيلي أن يتحرك فيها.
– القاعدة الثانية: لا تكشف كل أوراقك دُفعةً واحدة؛ فالشخص الميكافيلي بارعٌ في جمع المعلومات، وكلُّ كلمةٍ قد تتحول لاحقًا إلى ورقةِ ضغطٍ أو وسيلةِ تأثير؛ فتحدّث باعتدال، واحتفظ ببعض خصوصيتك لنفسك.
– القاعدة الثالثة: لا تدخل في لعبةٍ خفية؛ فإذا شعرت بمحاولةِ تلاعب، لا ترُدّ بتلاعبٍ مضاد، والأفضل هو الوضوح الهادئ، قل مثلًا “أحب أن يكون الأمر واضحًا بيننا”، أو “دعنا نتفق على التفاصيل بشكل مباشر” الوضوح يُربك الميكافيلي أكثر من المواجهة العدائية.
– القاعدة الرابعة: ضع حدودًا واضحة بأسلوب لائق؛ فإذا حاول الميكافيليّ استغلال طيبتك أو الضغط عليك بلباقة، يمكنك أن ترفض دون تبرير طويل .. “لا أستطيع في الوقت الحالي” جملة كافية؛ فالميكافيلي يحترم من يعرف حدوده.
– القاعدة الخامسة: لا تفسّر كل تصرفٍ على أنه مؤامرة؛ فليس كلّ تخطيطٍ ميكافيلية، وليس كلّ حذرٍ تلاعبًا .. حافظ على توازنك، ولا تكن ساذجًا ولا مهووسًا بالتحليل.
ثم إن لك عندي نصيحةً وهي أن تجعل تعاملك قائمًا على قيمك أنت، لا على ردّ الفعل؛ فكن صادقًا لأنك تختار الصدق، لا لأن الآخر يستحقه، وكن واضحًا لأن هذا مبدؤك، لا لأنك تريد أن تكسِب الجولة .. ورمضانٌ فرصة لتتعلم معادلةً جميلة: قلبٌ طيب، وعقلٌ يقِظ .. بهذا التوازن تستطيع أن تتعامل مع الميكافيلي دون أن تخسر نفسَك، ودون أن تتحول إلى نسخةٍ مشابهةٍ له.
كل رمضان أنتم أكثر تمسكًا بقِيم دينكم، وحكمةً في التعامل مع الأشخاص الميكافيليين🌙.






