بقلم أ.د/ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
الشخصية النرجسية ليست مجرد شخصيةٍ تحب نفسَها كما يظن البعض، بل هي نمطٌ سلوكيٌّ يقوم على تضخيم الذات، والحاجة الدائمة للإعجاب، والحساسية الشديدة للنقد، مع صعوبةٍ في التعاطف مع الآخرين؛ فالشخصُ النرجسي يريد أن يكون محورَ الحديث، ومركزَ الاهتمام دائمًا.
ولكن كيف تظهر النرجسية في رمضان؟
قد تتجلى النرجسية في رمضان بصورٍ مختلفة؛ فقد يتحول العمل الخيري إلى وسيلةٍ للظهور لا للعطاء، وقد يصبح الحديث عن العبادة استعراضًا لا إخلاصًا، وقد تتحول جلسات الإفطار إلى ساحةٍ لإثبات التفوق أو السيطرة على الحوار .. وربما نجد الشخص النرجسي سريعَ الغضب إذا لم يُشكر على ما قدّم، أو إذا لم يُقدَّر عملُه كما يَتوقع؛ فهو لا يطيق أن يشعر أنه عادي، أو أن غيره قد حاز الاهتمامَ أكثر منه…
وفي رمضان يكون التحدي الحقيقي لهذا الشخص النرجسي؛ فالصيام يُشعر الإنسانَ بضعفه، ويُذكّره بحاجته، ويضعه في صفٍّ واحدٍ مع الجميع: الغني والفقير، المدير والموظف، الكبير والصغير، وهنا يكمن الصدام الداخلي لدى الشخص النرجسي؛ فهو مُعتادٌ على التميّز والتفرّد، بينما رمضان يدعوه إلى التواضع والمساواة.
والسؤال الآن: كيف يمكن للشخص النرجسي أن يستفيد من رمضان؟
عندما يصومُ الإنسان، فإنه يتعلّم تأجيل رغباته، وعندما يتصدّق سرًّا، فإنه يتدرب على العمل دون انتظار تصفيق، وعندما يُخطئ ويستغفر، فإنه يتدرّب على الاعتراف بالنقص .. هذه كلها تدريباتٌ عمليةٌ تُضعف سيطرة الأنا المتضخمة .. فإذا كنتَ ترى أن لديك هذه النزعةَ النرجسية، فإنه يُمكنك أن تستثمر رمضان عمليًّا لعلاجها إذا اتبعت الآتي:
– قم بممارسة أعمالٍ لا يعلم بها أحد، كأن تفعل خيرًا دون أن تخبر به، ودون أن تُلمّح إليه، ودون أن تنتظر شكرًا؛ فهذا تمرينٌ مباشرٌ على تقليل الحاجة إلى الإعجاب.
– درّب نفسك على الاستماع، ففي جلسات الإفطار مثلًا أو اللقاءات العائلية، اجعل هدفك أن تفهم الآخرين، لا أن تُظهر نفسك أفضل منهم، وكما تتحدث عليك أن تستمع، واسمح للآخرين أن يكونوا محور الحديث.
– تقبّل الملاحظات بهدوء، فإذا وُجه إليك نقدٌ، جرّب أن تقول “ربما يكون معك حق” بدلًا من أن تدافع باستماتة عن وجهة نظرك؛ فهذا لا يُقلّل منك، بل يزيد من تقديرِ الآخر لك.
– راجع نيتك باستمرار، واسأل نفسك قبل كل عمل: لو لم يرني أحد، هل كنت ُسأفعله؟ هذا السؤال البسيط يكشف لك الكثير عن نفسك.
ولكن هل يكفي رمضان وحده لعلاج النرجسية؟ إذا كانت النرجسية في مستوى اضطرابٍ حقيقيٍّ مؤثرٍ على العلاقات والحياة العملية، فقد يحتاج الأمر إلى جلساتِ علاجٍ نفسيٍّ متخصصة؛ فرمضانُ ليس بديلًا عن العلاج، لكنه يمكن أن يكون بدايةً قويةً للتغيير، أما إذا كانت مجرد سماتٍ نرجسيةٍ خفيفةٍ، فإن شهرًا من التدريب الواعي قد يصنع فارقًا كبيرًا.
وقد يسأل البعض عن كيفية التعامل مع الشخصي النرجسي خاصةً في رمضان؟
إن التعامل هنا يحتاج إلى حكمة، بعيدًا عن المواجهة المباشرة؛ لذا أنصحك ألا تدخل معه في منافسة؛ فمن الخطأ محاولة أن تُثبت أمام الآخرين أنه مخطئ؛ فالشخص النرجسي حساسٌ جدًا للنقد العلني، وقد يتحول الأمر إلى صراعٍ طويل، لذا يكون من الأفضل أن تتجنب إحراجه أمام الآخرين، فإذا كان لابد من مناقشته في أمرٍ ما، فليكن ذلك على انفراد وبهدوء .. كما أنصحك أيضًا أن تعطيَه التقديرَ المناسب، ولكن بوعي؛ فالتقدير حاجةٌ إنسانية، والنرجسيُّ يحتاجها بجرعةٍ أكبر؛ فلا مانع إذًا من شكره على جهدٍ قام به فعلاً، لكن بدون مبالغةٍ أو تضخيمٍ غير حقيقي؛ فالتقدير الصادق قد يخفّف توتره، ويشعره بالأمان، فيقلُّ دفاعه المستمر عن ذاته.
أضف إلى ذلك أنه عليك أن تضع حدودًا واضحةً عند التعامل معه؛ فإذا بدأ بالتقليل أو السخرية أو السيطرة الزائدة، فلا تضحك مجاملةً له، ولا تنفعل غضبًا منه، بل قُلْ بهدوءٍ “من الأفضل أن نتحدث باحترام” أو “دعنا لا ننتقد بعضنا بهذه الطريقة”؛ فالهدوء مع الحزم هو أفضل أسلوب.
ثم إن لك عندي نصيحة، وهي أن تهتم بنفسك أنت أيضًا؛ فالتعامل مع شخصيةٍ نرجسيةٍ قد يكون مرهقًا؛ لذلك لا تجعل رمضان كله يدور حول احتواء هذا الشخص، بل حافظ على عبادتك، وهدوئك، وراحتك النفسية، واختر معاركك بحكمة، وتجاوز ما يمكن تجاوزه… إن رمضان فرصةٌ للجميع: لمن يملك الأنا المتضخمة أن يُهدّئها، ولمن يتعامل معه أن يتعلم الصبر والذكاء، وفي النهاية نجاحُك ليس في تغيير الشخص النرجسي، بل في أن تحافظَ على هدوئك واتزانك مهما كانت شخصياتُ مَن حولك.
*كل رمضان أنتم أكثر تواضعًا وحكمةً في التعامل مع الأشخاص النرجسيين؟






