أ.د/ممدوح مصطفى يكتب:
رمضان فرصة لتغيير السلوكيات السلبية وتحسين التحكم في النفس.
يأتي رمضان كل عام حاملًا معه فرصة لا تتكرر في بقية شهور السنة؛ فرصة لأن نعيد النظر في علاقتنا بأنفسنا قبل علاقتنا بالطعام والشراب؛ فنحن لا نصوم فقط عن الأكل، بل نصوم عن الاندفاع، وعن التسرع، وعن الاستجابات التلقائية التي اعتدنا عليها فترات طويلة؛ بذلك يصبح رمضان فرصةً لإعادة تغيير سلوكنا، لا مجرد التزام مؤقت بشعيرة دينية.
إن تغيير العادات خارج رمضان مهمة شاقة؛ فالعادة حين تستقر في حياتنا تتحول إلى مسار مألوف، نلجأ إليه دون تفكير كلما تعرضنا لضغطٍ أو مللٍ أو انزعاج؛ فقد يكون التدخين وسيلةً للهروب من التوتر، وقد يكون تصفح الهاتف هروبًا من الفراغ، حتى العصبية قد تكون تنفيسًا عن الإرهاق، ومع تكرار السلوك يصبح الأمر آليًّا، كأن أعضاء الجسد تتحرك وحدها قبل أن يتدخل العقل.
لكن في رمضان يحدث خللٌ إيجابي في هذا النظام التلقائي؛ فالصيام يوقِف بعض السلوكيات القهرية قسرًا، ويمنح العقل فرصة ليتحكم في هذه الرغبات .. حين يمتنع الإنسان عن الطعام والشراب لساعات طويلة رغم قدرته عليه، فإنه يمارس تدريبًا نفسيًّا رائعًا على تأجيل الإشباع، إنه يقول لرغبته “ليس الآن” وهذه الجملة البسيطة تعيد ترتيب ميزان القوة داخل النفس.
فبدلًا من أن تكون الشهوة هي القائد، يصبح العقل والوعي هو القائد .. ومع تكرار هذا التدريب يومًا بعد يوم، تتقوى القدرة على التحكم، ويزداد الشعور الداخلي بالسيطرة، ومن ينجح في ضبط أقوى الدوافع البيولوجية، يمكنه أن يضبط ما هو دونها من عادات مكتسبة .. غير أن الخطأ الشائع هو محاولة تغيير كل شيء دفعة واحدة؛ فالحماس الرمضاني قد يدفع البعض إلى إعلان ثورة شاملة على أنفسهم، ثم لا يلبثون أن يتسلل إليهم الإحباط حين يتعثرون.
يكفي أن يختار الإنسان عادةً واحدة يعتقد أنه لو تخلص منها لتغير جزء مهم من حياته، عادة واحدة فقط، يتعامل معها بوعي، يراقب لحظات ظهورها، ويتساءل: ما الذي يدفعني إليها؟ أهو الملل؟ أم القلق؟ أم الشعور بالوحدة؟ أم غير ذلك؟ حين نفهم الدافع، يصبح من الممكن أن نستبدل السلوك لا أن نقمعه .. فبدلًا من أن يتحول التوتر إلى غضب، يمكن أن يتحول إلى لحظة ذكرٍ أو صمت أو تنفس عميق، وبدلًا من أن يقود الملل إلى ساعات طويلة من التصفح العشوائي للهاتف، يمكن أن يقود إلى قراءةٍ لوردٍ قرآني أو لبضع صفحاتٍ في كتاب مفيد.
الدماغ لا تحب الفراغ، لكنها تقبل البدائل، وكلما ارتبط البديل بمعنى أفضل، كالرغبة في الخروج من رمضان بصورة أفضل، زادت فرص استمراره بعد انتهاء الشهر .. رمضان لا يطلب منا الكمال، بل يفتح لنا باب التحسن، قد نتعثر يومًا ونعود إلى عادة قديمة، لكن هذا لا يعني الفشل؛ فكل لحظة وعي، وكل محاولة للمقاومة، تبني داخلنا قدرة جديدة، ومع نهاية الشهر قد لا نكون قد تغيرنا بالكامل، لكننا بالتأكيد سنكون أقوى وأكثر قدرة على تغيير أنفسنا.
في النهاية الصيام ليس حرمانًا بقدر ما هو استعادة للسيطرة على أنفسنا، إنه يذكّرنا بأننا لسنا أسرى لعاداتنا، وأنه بإمكاننا أن نغير أنفسنا للأفضل، وإذا خرج الإنسان من رمضان وقد تحرر من عادة واحدة كانت تثقل روحه، فقد ربح حينئذٍ ربحًا عظيمًا.
كل رمضان أنتم أكثر قدرةً على التغيير.






