بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
تُعَدّ الشخصية المخادعة من الشخصيات التي لا تُفهم بسهولةٍ من النظرة الأولى؛ فهي لا تُظهِر نفسها كما هي، بل تميل إلى الظهور بوجوهٍ متعددةٍ بحسب الموقف والغاية؛ فصاحب هذه الشخصية قد يبدو في بداية التعارف شخصًا لطيفًا، حسنَ الكلام، يُجيد المجاملة، ويعرف كيف يكسِب قلوب الناس، غير أن هذه الصورة الظاهرة لا تعكس دائمًا ما يدور في داخله؛ إذ كثيرًا ما تكون الكلمات الجميلة غِطاءً لنوايا لا يُراد لها أن تُكشف سريعًا؛ ولهذا فإن مَن يقترب من هذه الشخصية قد يحتاج وقتًا حتى يدرك حقيقتها وطريقة تفكيرها.
ومن أبرز سمات هذه الشخصية قدرتها على إخفاء ما تفكر فيه حقيقةً؛ فهي لا تميل إلى التصريح المباشر بما تريد، بل تفضّل أن تسلك طرقًا مُلتويةً توصلها إلى هدفها، فقد تقول شيئًا وتقصد غيره، أو تُظهر موقفًا بينما تُخفي في داخلها موقفًا مختلفًا تمامًا، وهذه القدرة على الإخفاء تجعل التعامل معها أحيانًا أمرًا يحتاج إلى قدرٍ من الحذر والانتباه.
كما تتميز الشخصية المخادعة بقدرتها على اختيار الكلمات التي تؤثر في الآخرين؛ فهي غالبًا تعرف ماذا يُعجِب الناس، وماذا يحبون أن يسمعوا، فتستخدم العبارات المناسبة في الوقت المناسب، وقد تبالغ أحيانًا في المديح أو إظهار التعاطف، ليس بدافع الصدق دائمًا، بل لأنها تعلم أن هذه الطريقة تساعدها على كسب ثقة من أمامها؛ ومن هنا تبدو هذه الشخصية في كثيرٍ من الأحيان بارعةً في الحديث، لكنها تستخدم هذه البراعة لتحقيق غاياتٍ خفيةٍ.
ومن السمات الواضحة أيضًا لدى هذه الشخصية القدرة على تغيير مواقفها بحسب الظروف؛ فهي لا تلتزم دائمًا برأيٍ ثابتٍ أو موقفٍ واضحٍ، بل قد تتكيّف مع كل موقفٍ بطريقةٍ تخدم مصلحتها في تلك اللحظة؛ فقد توافق هذا اليوم على أمرٍ ما، ثم تعارضه غدًا إذا رأت أن ذلك أنسب لها، وهذا التغيُّر المستمر يجعل الآخرين أحيانًا يشعرون بالحيرة في فهم طبيعة هذه الشخصية.
كذلك تميل الشخصية المخادعة إلى إدارة العلاقات على أساس المنفعة؛ فقد تقترب من بعض الأشخاص لأنهم يحققون لها فائدةً معينةً، أو لأن وجودهم يخدم هدفًا ما في حياتها، وحين تتغير الظروف أو تنتهي المصلحة قد يتغير أسلوبها في التعامل؛ ولهذا تبدو علاقاتها في كثير من الأحيان أقل ثباتًا وعمقًا من العلاقات التي تقوم على الصدق والوضوح.
ومن الجوانب اللافتة في هذه الشخصية أنها تمتلك في الغالب قدرةً جيدةً على ملاحظة الآخرين وفهم نقاط ضعفهم؛ فهي تراقب ردود أفعال الناس، وتفهم ما يحبونه وما يزعجهم، ثم قد تستخدم هذه المعرفة بطريقةٍ تساعدها على التأثير فيهم، وهذا ما يجعلها أحيانًا تبدو وكأنها تعرف كيف تدير المواقف الاجتماعية بمهارة.
ومع ذلك فإن الشخصية المخادعة تعيش غالبًا حالةً من التوتر الداخلي الخفي؛ فالحفاظ على صورةٍ غير حقيقيةٍ أمام الناس يحتاج إلى جهدٍ مستمرٍ؛ لأن الإنسان يظل حريصًا على ألا تنكشف نواياه أو تتعارض كلماتُه مع أفعاله؛ ولهذا قد تبدو هذه الشخصية من الخارج واثقةً ومسيطرةً، بينما تخفي في داخلها قلقًا دائمًا من أن تُكشف حقيقتُها.
وهكذا تتضح ملامح الشخصية المخادعة بوصفها شخصيةً تجيد إخفاء ما بداخلها، وتستخدم الكلام والعلاقات بمهارةٍ للوصول إلى أهدافها، وتُغيّر مواقفها بحسب ما تراه مناسبًا لمصلحتها، وقد تبدو هذه الصفات في البداية غير واضحة، لكنها تظهر تدريجيًّا مع طول التعامل وكثرة المواقف.
ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصيةُ المخادِعة؟
لا يولد الإنسان بطبيعته مخادعًا كما قد يظن البعض، بل تتشكل هذه الصفة عبر سنواتٍ من الخبرات والتجارب التي تُعلّم الإنسانَ – بطريقةٍ أو بأخرى – أن الطريق الملتوي وغير المباشر قد يكون أسهل من الطريق الواضح، ومع تكرار هذا الأسلوب في التعامل مع المواقف، يتحول شيئًا فشيئًا إلى عادةٍ في التفكير والتصرف، حتى يصبح جزءًا من شخصية الإنسان وطريقته في إدارة حياته.
وغالبًا ما تبدأ ملامح هذه الشخصية حين يتعلم الإنسان منذ صغره أن الصراحة قد تكلّفه ثمنًا كبيرًا؛ فقد يمر بتجارب يشعر فيها أن قول الحقيقة يُوقِعه في اللوم أو العقاب أو الخسارة؛ فيبدأ تدريجيًّا في البحث عن طرقٍ ملتويةٍ يتجنب بها المواجهة المباشرة، ومع مرور الوقت يكتشف أن إخفاء بعض الأمور أو تغيير بعض الحقائق قد يساعده على الإفلات من المواقف الصعبة؛ فيتعزز لديه هذا الأسلوب دون أن ينتبه إلى خطورته.
كما قد تتكوّن هذه الشخصية عند من ينشأون في بيئةٍ يكثر فيها التنافس الحادّ أو الصراع الخفي بين الناس؛ ففي مثل هذه الأجواء قد يتعلم الإنسان أن الوصول إلى ما يريد لا يكون دائمًا بالوضوح أو بالصراحة، بل يحتاج كثيرًا إلى المناورة والخداع، ومع الوقت قد يترسخ في ذهنه أن الذكاء الحقيقي هو القدرة على الالتفاف حول المواقف بدلًا من مواجهتها بوضوح .. ومن العوامل التي تسهم كذلك في تكوين هذه الشخصية أن بعض الناس قد يستغلون أثر الكلمات الجميلة في التأثير على الآخرين؛ فقد يلاحظ الإنسان أن عبارةً لطيفةً أو مدحًا مبالغًا فيه قد يفتح له أبوابًا مغلقة، أو يقرّبه من أشخاصٍ يحققون له ما يريد، ومع تكرار هذه التجربة يبدأ في استخدام الكلام ليس بوصفه تعبيرًا صادقًا عما يشعر به، بل أداةً لتحقيق أهدافٍ معينةٍ.
وقد تنشأ الشخصية المخادِعة عند من يشعرون بحاجةٍ قويةٍ إلى السيطرة على مجريات الأمور من حولهم؛ فبدلًا من أن يتركوا الأمور تسير بطبيعتها، يميلون إلى ترتيب المواقف بطريقةٍ تضمن لهم النتائج التي يريدونها، ومن هنا قد يلجأون إلى إخفاء بعض المعلومات، أو توجيه الحديث بطريقةٍ معينةٍ، أو إظهار مشاعر غير حقيقية، حتى تتحرك الأحداث في الاتجاه الذي يناسبهم .. كما قد تتشكل هذه الشخصية عند من اعتادوا النظر إلى العلاقات الإنسانية من زاوية المنفعة أكثر من زاوية الصدق؛ فحين يرى الإنسان أن بعض العلاقات تقوم أساسًا على المصالح المتبادلة، قد يبدأ في التعامل مع الناس بالطريقة نفسها؛ فيقترب ممن يحقق له فائدة، ويتراجع حين تنتهي هذه الفائدة، ومع مرور الوقت يتحول هذا الأسلوب إلى طريقةٍ ثابتةٍ في بناء العلاقات.
ومع تراكم هذه التجارب الصغيرة، يتشكل نمطٌ خاصٌّ في التفكير والسلوك؛ فيتعلم الإنسان كيف يقول ما يريد الناس سماعه، وكيف يخفِي ما لا يريد أن يظهر، وكيف يحرّك المواقف دون أن يبدو أنه يفعل ذلك، وهكذا تتكون الشخصية المخادِعة تدريجيًّا، لا كصفةٍ طارئةٍ، بل كأسلوبِ حياةٍ يقوم على إدارة الظاهر وإخفاء الباطن، وعلى السير في الطرق الملتوية بدلًا من الطرق الواضحة.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يستفيد الشخصُ المخادِع من رمضان؟
يعيش الشخص المخادع عادةً خلف ستارٍ من الكلمات المنمّقة والتصرفات المدروسة، غير أن رمضان بطبيعته شهرُ الصدق مع النفس قبل أن يكون صدقًا مع الآخرين؛ فالصيام عبادةٌ لا يراها الناس، وإنما يعلمها الله وحده؛ ومن هنا يبدأ هذا الشهر في إيقاظ شعورٍ جديدٍ داخل هذا الإنسان، شعورٍ قد يوقظ في داخله صوتًا يدعوه إلى مراجعة نفسه؛ ليدرك أن الحياة تكون أجملَ مع الإخلاص والوضوح، وأقبحَ مع المكر والخداع.
ومن أعظم ما يفعله رمضان في هذه الشخصية أنه يعيد بداخلها تعريف معنى القوة؛ فالشخص المخادع قد يظن أن الذكاء الحقيقي هو القدرة على المناورة والالتفاف حول المواقف، لكنه في رمضان يكتشف معنىً آخر للقوة، مثل: قوة الصدق مع النفس، وقوة الوضوح في التعامل مع الناس، وقوة القلب الذي لا يحتاج إلى أقنعة كثيرة ليعيش بين الآخرين، ومع مرور الأيام قد يشعر هذا الإنسان أن الصراحة المريحة أجمل بكثيرٍ من الخداع المرهِق.
ومن الجوانب الجميلة في رمضان أنه يذكّر الإنسان بقيمة الصفاء الداخلي؛ فالشخص الذي اعتاد إخفاء نواياه قد يشعر مع الوقت أن حياته مليئةٌ بالحسابات الدقيقة والحرص المستمر على إدارة الصورة التي يراها الناس، لكن رمضان يدعوه إلى أن يعيش لحظاتٍ بلا حساباتٍ كثيرةٍ، لحظاتِ صدقٍ في الدعاء، وبساطةٍ في العطاء، وراحةٍ في التعامل، ومع هذه التجربة قد يكتشف أن القلب الصادق يعيش بطمأنينةٍ أكبر من القلب الذي يظل مشغولًا بإخفاء ما بداخله.
كذلك يساعد رمضان هذا الشخص على إعادة بناء علاقاته بطريقةٍ أكثر نقاءً؛ فالشهر الكريم يَكثُر فيه العطاء والتواصل والتسامح، وهي معانٍ تُعيد التوازن إلى العلاقات الإنسانية، وحين يشارك الإنسان في هذه الأجواء قد يشعر بأن القرب الحقيقي من الناس لا يحتاج إلى حيلةٍ ولا إلى تزيينٍ مبالغٍ فيه، بل يحتاج فقط إلى صدقٍ بسيطٍ يجعل العلاقة أكثر راحةً واستقرارًا .. ومع تكرار هذه التجارب خلال أيام الشهر قد يبدأ الشخص المخادع في اكتشاف حقيقةٍ مهمة، وهي أن الحياة أبسط بكثيرٍ مما كان يتصور؛ فلا حاجة إلى كثيرٍ من الأقنعة، ولا ضرورة لكل هذا الالتفاف حول المواقف؛ فحين يختار الإنسان طريق الصدق يشعر بأن قلبه أصبح أخف، وأن علاقاته أصبحت أوضح، وأن حياته تسير بهدوءٍ أكبر .
وهكذا قد يصبح رمضان بالنسبة لهذه الشخصية فرصةً للتحول من المراوغة إلى الصراحة، ومن التعقيد إلى الصفاء؛ فالشهر الكريم لا يفرض التغيير بالقوة، لكنه يفتح أبوابًا هادئة أمام من يريد أن يغيّر نفسه، ومن يدخل هذه الأبواب بصدقٍ قد يكتشف أن من أجمل ما يمكن أن يربحه الإنسان في حياته هو أن يكون له وجهٌ واحد، وقلبٌ واضح، وكلمةٌ صادقة.
ولكن كيف نتعامل مع الشخص المخادِع في رمضان؟
التعامل مع الشخص المخادع ليس أمرًا سهلًا دائمًا؛ لأن هذه الشخصية لا تظهر على حقيقتها من البداية؛ فهي تُظهر خلاف ما تُبطن، وتجيد ترتيب الكلمات والمواقف بطريقةٍ تجعل الآخرين يظنون أنهم أمام شخصٍ واضحٍ، بينما الحقيقة قد تكون مختلفةً، لكن رمضان يمنحنا فرصةً للتعامل مع هذه الشخصية بأسلوبٍ أكثر حكمة، لأن أجواء هذا الشهر تدعو إلى الرفق والصفاء والرفق.
ومن أول ما ينبغي فعله مع الشخص المخادع في رمضان أن نتعامل معه بوضوح؛ فالخداع كثيرًا ما يجد طريقه حين تكون الأمور غامضةً أو حين يترك الناس مساحاتٍ واسعةً للتأويل، أما حين يكون الكلام واضحًا والمواقف محددةً، فإن فرص الالتفاف أو التلاعب تصبح أقل؛ فالوضوح هنا يعني أن تكون كلماتنا صريحة، وحدودنا مفهومة، دون حاجة إلى مكرٍ أو خداعٍ.
ومن الأساليب المناسبة كذلك عدم الانجراف خلف الكلمات وحدها؛ فالشخص المخادع قد يكون بارعًا في الحديث، وقد يعرف كيف يختار العبارات التي تترك أثرًا طيبًا في النفوس، لكن الحكمة في التعامل معه أن ننظر إلى الأفعال بقدر ما ننظر إلى الأقوال؛ فحين يتعلم الإنسان أن يوازن بين ما يُقال وما يُفعل، يصبح أكثر قدرةً على فهم المواقف دون أن يقع بسهولة في دائرة التأثُّر بالكلام فقط.
كما قد يكون من المفيد في رمضان أن نتجنب الدخول في الصراعات؛ فالشخص المخادع قد يجد في الجدل أو الصراعات فرصةً ليمارس خداعه أو ليغيّر مجرى الأمور، كما أنه من المهم كذلك أن نقلل من المساحات التي تسمح بسوء الفهم أو التلاعب؛ فحين تكون الأمور مرتّبةً وواضحةً في التعاملات اليومية، سواء في الكلام أو في الاتفاقات أو في المسؤوليات، يصبح من الصعب على أيّ شخص أن يغيّر الروايات أو يعيد تفسير الأحداث بطريقة مختلفة، وهذا لا يعني الشك في الناس، بل يعني فقط الحرص على أن تكون الأمور واضحةً للجميع.
كما أنه من المهم أن نتذكر أن رمضان شهرٌ يفتح بابًا واسعًا لإحياء القِيَم الجميلة في النفوس؛ فبدلًا من أن يكون التعامل مع الشخص المخادع قائمًا فقط على الحذر، يمكن أيضًا أن يكون فرصةً لتذكيره – بطريقة غير مباشرة – بقيمة الصدق والوضوح؛ فقد يكون للكلمة الطيبة أو للموقف الصادق أثرٌ أكبر بكثيرٍ مما يفعله المكر أو الخداع.
ومن الحكمة أيضًا ألا نحمِل في قلوبنا ضيقًا دائمًا تجاه هذه الشخصية؛ فبعض الناس ربما اعتادوا هذا الأسلوب في التعامل عبر سنواتٍ طويلةٍ من التجارب، لكنهم لم ينتبهوا إلى أثره السلبي في حياتهم وفي حياة من يتعامل معهم؛ لذلك يكون الأفضل أن نتعامل مع هؤلاء بوعيٍ دون أن نسمح لأنفسنا بالانجراف إلى الغضب، بل نحافظ على هدوء النفس مع قدرٍ مناسبٍ من الحذر .. وهكذا يصبح التعامل مع الشخص المخادِع في رمضان قائمًا على مزيجٍ من الوضوح والهدوء والوعي؛ فلا نبالغ في الثقة العمياء، ولا نغرق في الشك والعداء، بل نختار الطريق الوسط الذي يحفظ كرامتنا ويجعل تعاملنا متزنًا.
وفي الختام أقول: إنْ كان في الحياة ما يُرهق القلوب، فليس أثقل عليها من كثرةِ الأقنعة، ولا أرهق لها من طولِ المراوغة، ورمضانُ فرصةٌ طيبةٌ ليعود القلب إلى بساطته الأولى؛ حيث الكلمةُ الصادقةُ أجمل من الحيلة، والنية الطيبة أفضل من الخداع؛ فطوبى لقلبٍ تعلّم في رمضان أن الصدقَ نور، وأن الصفاءَ سرور، وأن الحياةَ تكون أجمل حين يكون الوجهُ واحدًا لا يعرف الخداع، والقلبُ طاهرًا لا يُجيد المراوغة، وأن القلوب التي تعيش بوجهٍ واحدٍ تنعم براحةٍ لا يعرفها من اعتاد الأقنعة، وأن من أقبل على الله في هذا الشهر بصدقٍ، خرج منه بنفسٍ أصفى، وقلبٍ أنقى.
كل رمضان أنتم أشد بعدًا عن المكر والخداع، وأحسن قدرةً على كشف الأقنعة والنوايا، وأكثر حكمة في التعامل مع أصحاب الشخصية المخادِعة 🌙











