بقلم أ.د/ غانم السعيد
أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأزهر
إذا أقبلت العشر الأواخر من رمضان تغيّر حال رسول الله ﷺ تغيّرًا يلفت القلوب قبل الأبصار؛ فقد كان الشهر كله ميدان عبادة، غير أن هذه الليالي العشر كانت عنده موسمًا خاصًّا، وموعدًا روحانيًّا يزداد فيه القرب من الله، حتى كأنها خلاصة الشهر وروحه.
تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حاله في تلك الأيام فتقول:”كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم -إذا دخل العشر الأواخر شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله” (متفق عليه).
وهذا الحديث يرسم لنا ثلاث ملامح واضحة من حياة النبي – صلى الله عليه وسلم-في هذه الليالي المباركة.
أولها: شدُّ المئزر
وقد فُسِّر بمعنيين كلاهما صحيح.
الأول: أنه كناية عن الجد والاجتهاد في العبادة، كقول العرب: شدَّ فلان مئزره للأمر أي استعد له وبالغ فيه.
والثاني: أنه اعتزل النساء وتفرغ لعبادة الله، لأن القلب إذا أراد تمام الإقبال على الله انصرف عن الشواغل.
ثانيها: إحياء الليل
لم يكن- صلى الله عليه وسلم- يكتفي بصلاة يسيرة أو دعاء عابر، بل كان يحيي الليل كله بين صلاة وذكر وقراءة للقرآن ودعاء وابتهال.
وهذا الإحياء ليس مجرد سهر، بل هو حياة للقلب، وإيقاظ للروح لتتذوق لذة القرب من الله في ساعات السكون والسكينة.
ثالثها: إيقاظ الأهل
فلم يكن- صلى الله عليه وسلم- يكتفي بعبادته لنفسه، بل كان يوقظ أهله ليشاركوه هذا الفضل العظيم، وكأن الرحمة التي في قلبه تأبى أن ينال الخير وحده دون أهل بيته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
لماذا كان هذا الاجتهاد العظيم في العشر الأواخر بالذات؟
الجواب يكمن في سرٍّ من أعظم أسرار رمضان، وهو ليلة القدر.
فهذه الليلة المباركة التي قال الله فيها:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾
أي أن العبادة فيها تعدل عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة.
وقد أخفى الله وقتها في العشر الأواخر حتى يجتهد المؤمن في جميع الليالي طلبًا لها، ولذلك قال النبي- صلى الله عليه وسلم-:
“تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان”.
ولأن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان أعلم الناس بربه، وأشدهم شوقًا إلى رضاه، كان أحرص الناس على اغتنام هذه الليالي التي قد تحتوي ليلة هي خير من عمر طويل.
ومن حكمة الله كذلك أن توضع هذه الليلة في آخر الشهر؛
فهي كالجائزة الكبرى بعد موسم الطاعة، وكالنفحة العظمى التي يختم بها المؤمن شهره، ليخرج من رمضان وقد غُفرت ذنوبه وامتلأ قلبه نورًا.
ولذلك لم يكن اجتهاد النبي- صلى الله عليه وسلم – في هذه العشر مجرد زيادة عبادة، بل كان ذروة الشوق إلى الله، وكأن روحه تنتظر لحظة القرب التي تتنزل فيها الرحمة وتكتب فيها المقادير.
وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يتأسّوا بنبيهم- صلى الله عليه وسلم- في هذه الليالي؛
فهي أيام معدودة، ولكنها قد تغيّر مصير إنسان كله، وتفتح له باب مغفرة لا يغلق.
فمن أحيا هذه الليالي بالصلاة والذكر والقرآن والدعاء، فقد اقتفى أثر النبي- صلى اللهعليهوسلم- ومن فاته هذا الموسم فقد فاته خير كثير.
ولذلك قال بعض السلف كلمة تهز القلوب:
“المحروم من حُرم خير هذه الليالي.”
فهي ليالٍ قليلة…
لكنها قد تصنع عمرًا جديدًا بين العبد وربه.











