بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
تُعرَف الشخصية المتشائمة بأنها الشخصيةُ التي تميل بطبيعتها إلى النظر إلى الحياة من زاويةِ القلق وتوقّعِ الأسوأ قبل حدوثه؛ فصاحبُ هذه الشخصية لا ينتظر حتى تتضح النتائج، بل يسبق الأحداث بتصوراتٍ يغلب عليها الخوفُ من الفشل أو الخسارة؛ ولذلك فإن نظرته إلى المستقبل كثيرًا ما تكون مليئةً بالحذر الزائد، وكأنه يتوقع أن الأمور لا تسير على ما يُرام، وهذه الطريقة في التفكير لا تظهر في موقفٍ واحدٍ فقط، بل تتحول مع الوقت إلى أسلوبٍ ثابتٍ في تفسير ما يحدث حوله.
ومن السمات الواضحة في هذه الشخصية التركيزُ على الجوانب السلبية في الأحداث؛ فحين يكون هناك أمرٌ يحمل جوانبَ متعددةً، فإن الشخص المتشائم يلتفت مباشرةً إلى الجانب الذي يراه صعبًا أو مقلِقًا، حتى لو كان هناك جانبٌ آخرُ إيجابيٌّ أو مطمئِن، وهكذا تبدو الصورةُ في ذهنه وكأن الجانبَ المظلمَ فيها أكبرُ دائمًا من الجانب المضيء.
كما يظهر التشاؤم بوضوحٍ في توقع النتائج غير المطمئنة قبل وقوعها؛ فعندما يفكر الشخص المتشائم في تجربةٍ جديدةٍ أو خطوةٍ مستقبليةٍ في حياته، فإنه يبدأ مباشرة في تخيُّل العقبات التي قد تواجهه أو الإخفاق الذي قد يحدث، وربما يردد عباراتٍ تعكس هذه النظرة مثل “ربما لا ينجح الأمر”، أو “قد تنتهي المحاولة بنتيجةٍ غير جيدة”، ومع تكرار هذا النوع من التفكير يصبح التردُّد جزءًا من طريقته في التعامل مع الفرص الجديدة .. ومن سمات هذه الشخصية أيضًا التقليلُ من قيمة الأمور الإيجابية عندما تحدث؛ فحتى لو تحققت نتيجةٌ جيدةٌ أو حدث أمرٌ مفرِحٌ، فإن الشخص المتشائم يميل إلى تفسيره على أنه مجردُ صدفةٍ أو أمرٍ عابرٍ لن يستمر طويلًا، فهو لا يرى النجاح دائمًا نتيجةً طبيعيةً للجهد المبذول، بل يراه أمرًا مؤقتًا ربما يتغير في أيّ لحظة؛ ولهذا فإن المشاعر الإيجابية قد لا تستقر طويلًا في نظرته إلى الأحداث.
كما يظهر التشاؤم في طريقة حديثه عن المستقبل والحياة عمومًا؛ فالشخص المتشائم كثيرًا ما يتحدث بلغةٍ يغلب عليها التحفظ والقلق، فيذكر الصعوبات المتوقّعة أكثر مما يتحدث عن الفرص الممكنة، وقد يبدو في كلامه نوعٌ من الاستعداد الدائم لما قد يحدث من مشكلاتٍ، وكأنه يهيئ نفسه لأيّ نتيجةٍ غير مرغوبة.
وهكذا يمكن القول إن الشخصية المتشائمة لا تتحدد بموقفٍ عابرٍ أو فكرةٍ مؤقتةٍ، بل تقوم على نمطٍ متكررٍ من التفكير، يرى التحديات أكبر من الفرص، ويستحضر الاحتمالات السلبية قبل غيرها، ومع مرور الوقت تصبح هذه الطريقة – في النظر إلى الحياة – جزءًا من شخصية صاحبها، فتؤثر في فهمه للأحداث، وفي طريقة تعامله مع المستقبل.
ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصيةُ المتشائمة؟
تتكون الشخصية المتشائمة عادةً بناءً على التجارب الحياتية المبكرة؛ فالطفل الذي يعيش في بيئةٍ مليئةٍ بالضغط أو النقد المستمر، أو الذي يرى المحيطين به يبالغون في توقّع الأسوأ، قد يبدأ تدريجيًّا في تبني هذا النمط من التفكير كآليةٍ للتكيف مع الحياة، وفي هذه المرحلة المبكرة يصبح التشاؤم بالنسبة له وسيلةً للحماية النفسية؛ فهو يتوقع النتائج السيئة قبل حدوثها لتقليل الصدمة أو لتفادي الفشل.
كما تلعب التجارب المتكررة للإحباط أو الفشل دورًا مهمًّا في تشكيل هذه الشخصية؛ فالأشخاص الذين يواجهون فشلًا متكررًا أو يشعرون بأن جهودهم لا تُقدَّر، قد يكتسبون ميولًا للتشاؤم كطريقةٍ لتوقع النتائج السلبية قبل وقوعها، وكأنهم يستعدون لمواجهة أيّ إحباطٍ محتمل، ومع مرور الوقت يصبح هذا النمط من التفكير عادةً ذهنيةً تلقائيةً، يُفسِّر الفرد من خلالها كلَّ موقفٍ في ضوء المخاطر والسلبيات المحتملة، مهما كان الحدث بسيطًا أو طبيعيًّا.
كذلك تلعب العوامل الأسرية والاجتماعية دورًا أساسيًّا في تكوين هذه الشخصية؛ فالطفل الذي يشاهد أهله أو مَن حوله يعبّرون دائمًا عن القلق المبالغ فيه أو توقع الأسوأ، قد يتعلم أن الحياة مليئةٌ بالمشكلات والمخاطر، وأن التفاؤل مجردُ وهمٍ، حتى يصبح التشاؤم جزءًا من شخصيته، فتظهر لديه الرغبة في التركيز على السلبيات وتجاهل الإيجابيات.
كما تلعب طريقة التفكير دورًا مهمًّا في ترسيخ هذه الشخصية؛ فالعقل الذي يعتاد التركيز على الأخطاء الصغيرة، أو الذي يعيد التفكير طويلًا في المواقف المزعجة، يبدأ تدريجيًّا في إعطاء هذه الأحداث حجمًا أكبر مما تستحق، ومع تكرار هذا الأسلوب يصبح التفكير في السلبيات أسرع وأسهل من التفكير في الجوانب الإيجابية.
ومع مرور السنوات تتماسك هذه العوامل معًا لتشكّل ما يمكن أن نسميَه بالنظرة المتشائمة للحياة، فالتشاؤم في كثير من الأحيان ليس قرارًا يتخذه الإنسان، بل هو نمطٌ فكريٌّ يتشكّل تدريجيًّا عبر الزمن، حتى يصبح مسيطرًا على الطريقة التي تُفسَّر بها الأحداث، وعلى الكيفية التي يُنظَر بها إلى المستقبل.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يستفيد الشخص المتشائم من رمضان؟
إن الشهر الكريم لا يغيّر فقط سلوك الناس، بل يغيّر طريقة سير الأيام نفسها؛ فالأيام في رمضان تسير وَفق مواعيدَ واضحةٍ ومحددةٍ، فهناك وقتٌ معروفٌ للإفطار، ووقتٌ ينتظره الجميع للسحور، وأوقاتٌ للقاءات العائلية أو للعبادة، وهذا التنظيم اليومي المستقر قد يمنح الشخص المتشائم شعورًا غير مباشرٍ بالاطمئنان؛ لأن كثيرًا من قلقه في الحياة يرتبط بالغموض وصعوبة توقّع ما سيحدث، أما في رمضان فإن اليوم يبدو أكثر وضوحًا، وكأن الحياة تسير بإيقاعٍ مفهوم، وهذا الإحساس بالانتظام قد يخفف شيئًا من التوتر الذي يصاحب نظرته المتشائمة للأحداث .. ومن الجوانب التي قد تؤثر في هذه الشخصية انتشارُ روح المبادرة لدى الناس في هذا الشهر؛ ففي رمضان يبادر كثيرٌ من الناس إلى فعل الخير أو مساعدة الآخرين أو دعوة الأقارب والجيران، وهذه المبادرات المتكررة قد تلفت نظر الشخص المتشائم إلى جانبٍ مختلفٍ من الحياة؛ جانبٍ لا يقوم على المشكلات بقدر ما يقوم على الخير والعطاء، ومع تكرار هذه المشاهد قد يكتشف الشخص المتشائم أن الحياة لا تسير دائمًا في الاتجاه السلبي الذي يتوقعه، وأن هناك لحظاتٍ كثيرةً يظهر فيها الخير والعطاءُ بشكلٍ تلقائيٍّ دون حساباتٍ معقَّدة.
كما أن رمضان يفتح أمام الإنسان مجالاتٍ مختلفةً للانشغال المفيد؛ فبدلًامن أن يدور التفكير طوال الوقت حول الضغوط والسلبيات، يجد الشخص نفسه أمام أنشطة متعددة: قراءة، أو مشاركة في أعمال الخير، أو متابعة برامج أو لقاءاتٍ رمضانية، وهذا التنوع في الانشغال قد يقلل من الوقت الذي يقضيه العقلُ في استحضار الأفكار السلبية، ويمنحه فرصةً للانتقال من فكرةٍ إلى أخرى دون أن يبقى أسيرَ النظرة المتشائمة نفسها.
كما أن رمضان يضع الإنسان في تجاربَ صغيرةٍ من النجاح اليومي قد لا ينتبه إليها كثيرًا في الأيام العادية، فإتمام يومٍ كامل من الصيام، والالتزام بمواعيدَ محددةٍ، والمشاركة في ترتيب أمور البيت أو العمل خلال هذا الشهر، كلها أشياء بسيطة، لكنها تعطي شعورًا بأن الإنسان قادرٌ على إنجاز ما كان يظنه صعبًا، وبالنسبة للشخص المتشائم قد تمثل هذه النجاحات اليومية المتكررة رسالةً غير مباشرةٍ مضمونها أن الواقع قد يكون أيسر مما يتوقّع، وأن قدرته على التعامل مع الأمور قد تكون أكبر مما يعتقد .. وهناك جانبٌ آخر قد يكون مؤثرًا، وهو أن رمضان يجعل الإنسان أكثر قربًا من معنى الامتنان؛ فمشهد الإفطار بعد ساعاتٍ طويلةٍ من الصيام يذكّر الإنسان بقيمة الأشياء البسيطة التي قد تمر عليه في الأيام العادية دون انتباه، وهذا الشعور بالامتنان المتكرر قد يخلق توازنًا داخليًّا لدى الشخص المتشائم؛ لأنه يضع أمامه دليلًا يوميًّا على أن في الحياة جوانبَ إيجابيةً تستحق التقدير، لا جوانبَ سلبيةً فقط.
وفي ضوء ذلك كلِّه يمكن القول إن رمضان قد يؤثر في الشخصية المتشائمة بطرقٍ غير مباشرة؛ فهو لا يغيّرها بوعظٍ أو نصائحَ مباشرة، بل من خلال تجاربَ يوميةٍ متكررةٍ: نظام واضح للحياة، مبادرات إنسانية يراها بعينه، نجاحات بسيطة يعيشها بنفسه، وتنويع في الاهتمامات يشغله عن أفكاره السلبية، ومع تكرار هذه التجارب طوال الشهر الكريم قد يبدأ في رؤية الحياة بدرجةٍ من الاتزان لم يكن يلتفت إليها من قبل.
ولكن كيف نتعامل مع الشخص المتشائم في رمضان؟
التعامل مع الشخص المتشائم في رمضان يحتاج إلى فهمٍ لطبيعة نظرته إلى الحياة قبل أيّ محاولةٍ لتغييرها؛ فالشخص المتشائم لا يتعمّد إفساد الأجواء أو نشر السلبية، بل هو في الغالب تعوّد على أن يرى الأمور من زاوية القلق والتوقعات غير المريحة؛ ولهذا فإن أول خطوةٍ في التعامل معه خلال رمضان هي عدم تحويل تشاؤمه إلى ساحةِ جِدال، فمحاولة إقناعه دائمًا بأن نظرته خاطئةٌ قد تزيد تمسكه بها، بل الأفضل أن يُترك له مجالٌ للتعبير عن رأيه، ثم يُقابَل ذلك بهدوءٍ وبحديثٍ بسيطٍ يُعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي دون مبالغةٍ أو مواجهةٍ حادّة.
ومن الأساليب المفيدة في التعامل معه في هذا الشهر إشراكُه في التفاصيل العملية للحياة الرمضانية؛ فبدلًا من أن يبقى جالسًا يراقب الأمور من بعيد ويعلّق عليها بآراء سلبية، يمكن دعوته للمشاركة في ترتيب مائدة الإفطار، أو المساعدة في تجهيز بعض الأمور داخل البيت، أو التخطيط لنشاطٍ بسيطٍ مع الأسرة، وعندما يصبح هذا الشخص المتشائم جزءًا من الحدَث نفسِه، فقد يقل الوقت الذي يقضيه في توقع الصعوبات، ويبدأ في التركيز على ما يفعله في اللحظة الحاضرة؛ فالمشاركة العملية غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من النقاش الطويل.
ومن المفيد أيضًا في التعامل مع الشخص المتشائم أن نُبسّط الأجواء مِن حوله؛ فالشخص المتشائم قد يتعب من كثرة الحديث عن المشكلات أو القضايا الثقيلة، لذلك من الأفضل في رمضان أن تسود الأحاديثُ الجميلة الراقية، مثل الذكريات العائلية أو المواقف الطريفة التي تحدث أثناء الإفطار أو السحور؛ فهذه الأجواء البسيطة قد تساعده على الشعور بالارتياح، وتجعله يتفاعل مع اللحظة بدلًا من أن ينشغل بتوقُّع الأمور السلبية .. ومن الطرق الذكية في التعامل معه لفتُ انتباهه إلى الأمور الإيجابية بطريقةٍ غير مباشرة؛ فبدلًا من أن يُطلب منه أن يكون متفائلًا، يمكن الإشارةُ ببساطةٍ إلى نجاحِ موقفٍ معينٍ أو إلى التعاون الجميل بين أفراد العائلة، مثل هذه الملاحظات الصغيرة قد تساعده على رؤية جانبٍ آخرَ من الواقع دون أن يشعر بأنه يُطلب منه تغييرُ شخصيتِه فجأة، ومع تكرار هذه الإشارات قد يبدأ في ملاحظة هذه الجوانب بنفسه.
كذلك من المهم التحلي بالصبر في التعامل معه؛ فالتشاؤم عادةٌ فكريةٌ تراكمت عبر سنوات، ولا يمكن أن تختفي بسرعة؛ ولذلك فإن التعامل الهادئ والمتوازن معه في رمضان قد يترك أثرًا أفضل بكثير من النصائح المباشرة، وعندما يشعر بأن من حوله يتعاملون معه بهدوءٍ واحترامٍ، فإنه قد يصبح أكثر استعدادًا للنظر إلى الأمور بطريقةٍ مختلفة.
وفي النهاية فإن أفضل طريقةٍ للتعامل مع الشخص المتشائم في رمضان هي خلق بيئةٍ بسيطةٍ ومريحةٍ مِن حوله؛ بيئة تقوم على المشاركة، والهدوء، والحديث اللطيف، والانتباه إلى التفاصيل الجميلة في الحياة اليومية، وفي مثل هذه الأجواء قد يجد هذا الشخص فرصةً ليُخفّف من نظرته المتشائمة، وليكتشفَ أن كثيرًا من لحظات رمضان يمكن أن تُعاش ببساطةٍ وطمأنينةٍ، بعيدًا عن التوقعات السلبية المرهقة لما قد يحدث في المستقبل.
وفي الختام فإن رمضان ليس مجرد أيامٍ تَمضي، بل لحظات تُعيد ترتيبَ القلوب، وتُخفّف عن الأرواح ثِقَلَ التشاؤم وهمَّ التوقعات السلبية، وفيه يتعلّم الإنسان أن المستقبل قد يحمل من الإيجابيات الكثير، وأن الطريق ليس كلُّه تعبًا، ولا العيشُ كلُّه كدرًا، فإذا صفا القلبُ قليلًا، وأفسح للأمل مكانًا، تبدلت النظرة، وخفّ الحِمْل، وأدرك أن خلفَ كلِّ يومٍ جديدٍ بابًا للأمل، وبابًا للطمأنينة، وبابًا لحياةٍ تُعاش بتفاؤلٍ وأمان.
كل رمضان أنتم أكثرُ أملًا وتفاؤلًا، وأقدر على التعامل مع أصحاب الشخصية المتشائمة 🌙.











