بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
تخيل شخصًا يتفحّص كل شيء حوله بعينٍ لا تهدأ، كأنه يراقب العالمَ من خلف ستارٍ شفّاف، وكلُّ ابتسامةٍ بريئةٍ تخفي – في مُخيّلته – مؤامرةً محتملة، وكل نصيحةٍ تتحول إلى مادةٍ للشك والتحليل المستمر.. هكذا يعيش الشخص الشكّاك في عالمه الخاص، حيث تصبح الشكوك مرآةً لكل شيء، وكلُّ تفاعلٍ مع الآخرين يرى فيه اختبارًا دقيقًا لصدقهم ووفائهم.. وهو يعيش في دائرةٍ من الريبة والشك وعدم الثقة في الآخرين، ويعتقد أن كل فعلٍ أو كلمةٍ قد تنطوي على نوايا عدائيةٍ أو استغلاليةٍ أو تهديديةٍ ضده، حتى في غياب أيّ دليل ملموس.
كما أنه لا يغفر التجاوزات أو الإساءات التي يعتقد أنه تعرض لها، ويجعل من الألم الذي تعرض له في علاقاته الماضية عبئًا دائمًا على علاقاته الحالية؛ فيكون لديه شعورٌ دائمٌ بالحذر المفرط والمراقبة المستمرة للآخرين، يصل أحيانًا إلى درجة التجسس على تحركاتهم وسلوكياتهم؛ للتحقق من صدقهم ونواياهم، فهو يساوره دائمًا الشكّ في إخلاص أصدقائه وزملائه وشريك حياته، حتى وإن كانت هناك دلائلُ قويةٌ على وفائهم.
ويعاني الشخص الشكاك من الحساسية المفرطة للنقد؛ حيث يتحول أي نقدٍ إلى هجومٍ شخصي، ويستجيب له بغضبٍ أو دفاع شديد، وهو يميل أيضًا إلى التكتُّم الشديد، فلا يشارك أسراره أو مشاعره خوفًا من استغلالها ضده .. هذه الخصائص تجعل من الشكاك شخصيةً صعبة الفهم، متقلبةً في انفعالاتها، متأثرةً دومًا بخوفٍ داخلي عميق من الخيانة والخداع، وبحثٍ مستمرٍ عن الأمان والصدق في عالم يراه مليئًا بالمخاطر والتهديدات .. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الشخصية الشكاكة ليست درجةً واحدة، بل تتفاوت بين الدرجات الخفيفة من الشك والحذر التي يمكن التعاملُ معها نسبيًّا، حتى تصل إلى درجة الاضطراب الشديد، والتي يصعب التعامل معها إلا من قبل المتخصصين في الصحة النفسية.
ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصية الشكاكة؟
تتشكل الشخصية الشكاكة عبر سلسلةٍ من التجارب والظروف التي تبدأ منذ الطفولة، حيث ينشأ الطفل في بيئةٍ لا تمنحه الشعور بالأمان الكامل، فقد تكون البيئة صارمةً أو متقلبةً، مليئةً بالمفاجآت غيرِ السارة أو العقوبات المتكررة، وهنا يتعلم الطفل أن العالمَ مكانٌ خطِر، وأن تصرفات الآخرين قد تكون دائمًا تهديدًا أو خداعًا.
كما تلعب التجارب المبكرة من الخيانة أو الخداع دورًا حاسمًا في بناء هذه الشخصية، فكل جرحٍ نفسي وكل موقفِ خداعٍ أو خيانةٍ، يضيف مزيدًا من الشك والارتياب إلى طريقة تفكيره.
ولا يقتصر الأمر على البيئة وحدها، بل تلعب العوامل الوراثية والبيولوجية دورها أيضًا؛ فبعض الأفراد يولدون بحساسيةٍ أكبر تجاه التهديدات والتوتر؛ مما يجعلهم أكثر ميلاً للشكوك والارتياب في تصرفات الآخرين، ومع مرور الوقت تتحول هذه السمات إلى سلوكيات ثابتة، فيصبح الشك جزءًا من تفكيرهم، ويصبح الحذر المفرط قاعدةً للتعامل مع الناس، حتى أبسط المواقف تُفسَّر على أنها محاولاتٌ لإلحاق الضرر أو الاستغلال.
كما أن التربية على الخضوع للمعتقدات الجامدة، أو الانغماس في بيئاتٍ تنافسيةٍ أو مليئةٍ بالريبة، تزيد من صلابة الشخصية الشكاكة .. وهذه العوامل وغيرها تؤدي إلى أن ينغرس الشك في بناء الشخصية، لكن – كما قلنا سابقًا – الشخصية الشكاكة ليست درجةً واحدة، بل هي درجاتٌ متفاوتة، فقد تكون معتدلةً بحيث تجعل الشخص حذِرًا وواعيًا، وقد تتطور إلى اضطرابٍ يسيطر فيه الشك على كل تصرفٍ وكل كلمة، ويصبح التعايشُ مع الآخرين أمرًا صعبًا؛ لأن الثقة تبدو دائمًا مشكوكًا فيها.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكشف رمضانُ الشخصيةَ الشكاكة؟
يبدو الشهر الكريم مرآة تكشف كثيرًا هذه الشخصية؛ فترى الشخص الشكاك يراقب كل تصرفٍ حوله، متأهبًا لتفسيره بما يتوافق مع أفكاره وأوهامه، فمن يساعد محتاجًا أو يشارك في إعداد إفطارٍ جماعي، يراه شخصًا يرغب في الشهرة أو المصلحة، ومن ينصح أو يعظ، يعتبره متحايلًا يسعى لكسب التأثير أو منافقًا يقول ما لا يفعل، ومن يتعبد ويكثر من العبادة في رمضان يراه متباهيًا يلبس ثوب الصالحين وهو لا يعرف عنهم شيئا.
وفي المساجد أثناء صلاة التراويح، يراقب من حوله بحذر، مشكّكًا في إخلاصهم، حيث يرى بعضهم يتظاهر بالتقوى، وبعضهم يسعى لجذب الانتباه، ولا يستطيع إلا أن يفسر نوايا الآخرين بسوء، حتى لو كانت تبدو خالصة للخير، وهكذا هو لا يصدق إلا أوهامه، ولا يقتنع إلا بما يدور في رأسه .. وفي جلسات الإفطار مع العائلة تتكشف مظاهر الشك بصورةٍ أكبر؛ فكل كلمةٍ تُقال حتى ولو كانت بسيطة، وكل نظرة حتى ولو كانت برئية، تتحوّل في ذهنه إلى مؤامرةٍ أو محاولةٍ للتقليل منه.
وتراه يُخفي كثيرًا من أمور حياته حتى ولو كانت بسيطة أو تافهة، وربما يتحدث عنها بالكذب على خلاف حقيقتها، والسبب في ذلك هو ما يدور في رأسه من أوهامٍ تجعله يعتقد أن أيّ معلومة حتى لو كانت تافهة سوف تستخدم ضده، وربما تكون سببًا في حسدهم له، أو غيرتهم منه، أو إلحاق الأذى به.
وهو يتوقع دائمًا أنّ كل لطفٍ أو اهتمامٍ يختبئ وراءه غرضٌ خفيّ؛ لذلك يظل متيقظًا لكل حركة، ويتحول أيُّ موقفٍ بسيطٍ إلى أزمةٍ نفسيةٍ في ذهنه، وهكذا يصبحُ رمضان اختبارًا صارمًا للشخص الشكاك؛ فهو يعيشه من خلال منظار الشك والريبة.
كيف يمكن أن يستفيد الشخص الشكاك من رمضان؟
رمضان يمكن أن يكون فرصةً للشخص الشكاك من أجل تهذيب قلبه وتهدئة شكه إذا أحسن استثماره، وكل ما هو مطلوبٌ منه أن يُوقف عينه الشكّاكة قليلًا وأن ينظر بعين الصدق، فلو أنه شارك في الإفطارات الجماعية، وشاهد الآخرين يتعاونون بروح صافية، فقد يبدأ تدريجيًّا في إدراك أنه ليس كل تصرفٍ يختبئ وراءه غرضٌ أو مصلحة، وأن الناس قادرون على تقديم الخير دون توقعِ مقابل، وعندما يمدّ أحدهم يد العون لتوزيع الطعام على الفقراء، أو يشارك في تجهيز وجبة إفطارٍ للمحتاجين، فقد يكون وراء ذلك نيةٌ صافية، وأن الخير يمكن أن يكون نابعًا من القلب لا من المصلحة الشخصية.
كما أنه يمكن أن يستفيد من الصلوات الجماعية، وخاصةً التراويح، إذا تخلى قليلًا عن عينه الشكاكة ونظر بعين الصدق إلى أولئك الذين يلتزمون بالعبادة ويخشعون فيها؛ فقد يتعلم من هذا المظهر الصادق أن التفاني في الطاعة قد يكون خالصًا، دون داعٍ للريبة والشك، ومع مرور الوقت يبدأ قلبُه في الانفتاح على الاحتمال الإيجابي للنيات.
كما أن رمضان يمنحه أيضًا فرصةً للتأمل والتفكر بموضوعية في أفعال الخير التي يقوم بها الآخرون؛ مما قد يتعلم من خلاله تدريجيًّا الاعتراف بإمكانية الخير في الآخرين، وأن هذا لا يعني التنازلَ عن الحذر البسيط الذي يمكنه من خلاله أن يتجنب الأذى.
وفي جلسات الإفطار العائلية يمكنه أن يدرّب نفسه على التحدث مع الآخرين بثقةٍ وطمأنينة، وتقديم حسن الظن قبل إطلاق افتراضاتٍ خاطئة، وبذلك يقلّل من توتره النفسي ويخفًف من حساسية المواقف .. كما أن رمضان شهر الانشغال بالذات من أجل تهذيبها وإصلاحها، ولو أن الشخص الشكاك انشغل بتهذيب نفسه وإصلاحها، فإن ذلك قد يدفعه إلى تخفيف مراقبته المفرطة للآخرين، وتخفيف تفسيره الدائم لنواياهم على أنها سيئة.
ومع التدريب خلال الشهر الكريم على ضبط النفس، والتفكير في النوايا الطيبةِ للآخرين، قد يصبح الشخص الشكاك أكثر قدرةً على التعايش مع الآخرين بسلام، ويقل شعوره بالشك في كل تصرف حوله.
ولكن كيف نتعاملُ مع الشخصِ الشكاك في رمضان؟
التعامل مع الشخص الشكاك في رمضان يحتاج إلى قدرٍ عالٍ من الصبر والوعي بطبيعة شخصيته، ففي هذا الشهر الذي يُفترض أن تسوده الطمأنينة، قد يرى الشكاك في الغموض الصغير أمرًا كبيرًا يدعو للشك، لذلك يصبح الوضوح قيمةً أساسيةً في التعامل معه؛ فالكلمة المباشرة، والتصرف الصريح، وشرح الأمور ببساطة – كإخباره بمواعيد العزومات أو تفاصيل مشتريات الإفطار أو سبب الانشغال – كلها أمور تعزّز شعوره بالأمان وتقلل مساحةَ التخمين والشك.
ومن الحكمة كذلك تجنب الجدال الطويل أو محاولات إثبات البراءة بإلحاح، لأن الإصرار على الدفاع قد يُفسَّر في ذهنه كدليلٍ إضافي على وجود ما يُخفَى؛ فمن الأفضل الهدوء، والاستماع لمخاوفه دون سخريةٍ أو غضب، مع طمأنته بكلماتٍ متزنةٍ لا تحمل استفزازًا ولا مبالغةً في التبرير .. وفي الأجواء الرمضانية – حيث تكثُر الدُعابات والمِزاح واللمز غير المقصود – ينبغي الحذرُ من العبارات الملتبسة أو الإشارات غيرِ المباشرة التي قد يُحمِّلها الشخصُ الشكاك أكثرَ مما تحتمل، كما أن إشعارَه بالاحترام والاهتمام الحقيقي، وسؤالَه عن رأيه، وإشراكَه في بعض التفاصيل، يبعثُ له رسالةً ضمنيةً بأنه ليس مستبعدًا أو موضعَ تآمر.
والاحتواءُ هنا لا يعني الموافقةَ على شكوكه، بل تفهُّم أنها غالبًا بسبب قلقٍ داخلي أو خبراتٍ سابقةٍ جعلته يتوقع الأذى قبل الاطمئنان، ومع تكرار مواقفَ صادقةٍ خاليةٍ من المفاجآت أو التناقض، يبدأ تدريجيًّا في تخفيف شكوكه.
ولكن إذا بلغ الشك درجةً تؤذي علاقاته أو تعكر صفو الشهر عليه وعلى مَن حوله، فقد يكون من الحكمة تشجيعُه بلطفٍ على استشارة مختصٍ يساعده على فهم مصادر قلقه وإعادة بناء ثقته .. وهكذا يصبح التعاملُ معه في رمضان قائمًا على الشفافية، والاتزان، والاحترام، وبناء مساحاتِ أمانٍ حقيقيةٍ، تقلّل من توتره، وتُبقي أجواءَ الشهر أقرب إلى السكينة التي شُرع من أجلها.
وختامًا، فإن الشكَّ إذا جاوز حدَّه، انقلب إلى قيدٍ يُثقِل القلبَ ويُكدِّر الصفو، وصار حارسًا متعبًا يقف على أبواب الروح فلا يسمح لها أن تستريح .. فلنجعل من هذا الشهر مدرسةً لمراجعة أفكارنا، وتخفيف أحكامنا القاسية التي نصدرها على النوايا قبل الأفعال؛ فما كلُّ ابتسامةٍ تُخفي غرضًا، ولا كلُّ نصيحةٍ تحمل مصلحة، ولا كلُّ عطاءٍ ينتظر ثناءً .. فيا من أثقل الشكُّ روحه، ازرع في قلبك احتمالَ الخير، وامنح نفسك فرصةً لأن ترى العالم بميزانٍ أعدل، وقلبٍ أهدأ، ونفسٍ أصفى .. ويا من تتعاملُ مع شخصٍ شكاك، تزيّن بالحكمة، وتدرّع بالحِلم، واجعل من خُلُقك جسرًا يعبُر عليه من الخوف إلى الطمأنينة.
كل رمضان أنتم أكثر شعورًا بالثقة والأمان، وحكمةً في التعامل مع الشكاكين.






