بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
هل سبق لك أن التقيتَ بشخصٍ يُفرِط في العطاء وخدمة الآخرين على حساب راحته وصحته، ثم يشعر داخليًّا بالألم أو المرارة، وتراه يتقبل النقدَ الجارح أو المعاملةَ غير العادلة دون أن يضع حدودًا واضحة، هذا هو الشخص المازوخي .
وقد سميت الشخصية المازوخية بهذا الاسم نسبةً إلى “ليوبولد مازوخ”، وهو كاتب نمساوي عاش في القرن التاسع عشر، وكان مشهورًا في أعماله الأدبية بوصفه لشخصيات تستمتع بالألم أو الانكسار أو الخضوع، خصوصًا في العلاقات الإنسانية أو العاطفية.
ويوصف المازوخي أيضًا بأنه يجد صعوبةً في أن يقول “لا”، ويخشى أن يُرفَض إذا دافع عن نفسه، وهو لا يطلب المساعدةَ بسهولة، وُيفضِّل أن يتحمل الألم وحده، ويلومُ نفسه بشدةٍ على أخطاءٍ بسيطة، ويبالغ في تأنيب ضميرِه حتى في أمورٍ عادية، وغالبًا ما يرتبط عنده تقديره لذاته بمدى تحمله للأذى والإساءة.
وعندما تصل المازوخية عنده إلى مستوىً مرتفعٍ تجده محبًّا بل ومستمتعًا بما يتعرض له من إيذاءٍ سواءً بدنيًّا أو معنويّا، كما أنه يشعر في داخله بأنه لا يستحق السعادةَ أو النجاحَ أو التقدير، وكأنَّ المعاناةَ هي وضعُه الطبيعي، ثم إنه قد ينجذب إلى أشخاصٍ قساةٍ أو مستغلين، ويتحمل إساءتهم له لفتراتٍ طويلةٍ دون اعتراضٍ واضح.
ولكن كيف تتكوّن هذه الشخصية المازوخية التي ربما يتعجب منها الكثيرون؟
الشخصية المازوخية لا تُولد مُحِبّةً للألم، بل تتعلّم هذا النمطَ تدريجيًّا عبر تجارِبَ مبكرةٍ شكّلت فهمَها لنفسها وللعلاقات؛ فإذا نشأ الطفلُ في بيئةٍ لا يحصل فيها على الحب إلا عندما يُطيع دون اعتراض، ويضحّي براحة نفسه، ويتحمّل فوق طاقته، فقد يتعلم أن قيمته تساوي تحمُّلَه للألم، ومع الوقت يترسخ هذا الاعتقاد في عقله اللاواعي.
كما أن الشخصَ المازوخي يخشى فِقدان الآخرين بشدة؛ فيتنازل ويبالغ في التضحية حتى لا يُترك، ولو كان الثمنُ كرامتَه أو راحتَه .. وبعض الأشخاص الذين تعرضوا لإهمالٍ عاطفي أو إساءةٍ، قد يربطون – بدون وعيٍ – بين الألم والحب؛ فينجذبون لاحقًا إلى علاقاتٍ تُعيد لهم نفسَ هذا النمطِ المؤلم (أقصد علاقاتٍ تجمع بين الحب والألم).
والطفل الذي يسمع دائمًا “أنت مقصِّر”، “أنت السببُ في هذا الخطأ”، “أنت لا تفعل شيئًا صحيحًا أبدًا” يكبر وهو يحمِل شعورًا دائمًا بالذنب، ويعتاد على جلد ذاته كحالةٍ طبيعية لديه .. ومن ثمَّ فالشخصُ المازوخي يبدو قويّ التحملِ أمام الناس، لكنه في الحقيقة يعيش هشاشةً داخليةً عميقة، يبتسم وهو يتألم، ويخدم وهو مُرهق، ويعتذر حتى عندما لا يخطئ.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكشف رمضانُ الشخصيةَ المازوخية؟
رمضان شهر عبادةٍ ورحمةٍ وتوازن، وهنا تنكشف بعض السمات الخفية، ومنها سمات الشخصية المازوخية، التي تميل إلى تضخيمِ المعاناة، وتحويلِها إلى وسيلةٍ لإثبات قيمتها الذاتية؛ فالشخص المازوخي في رمضان يُفرِط في العطاء وخدمة الآخرين على حساب راحته وصحته، ثم يشعر داخليًّا بالألم أو المرارة.
كما أنه يحِّول العبادة إلى معاناة؛ فقد لا يكتفي بالصيام، بل يرهق نفسه بعبادات أخرى فوق طاقته بلا توازن، ويشعر بالذنب إذا ارتاح قليلًا، وهنا لا يكون الهدف التقوى بقدر ما يكون إثباتَ القدرة على التحمل .. ورغم أن الدين يُبيح الفطرَ للمريض أو المسافر، لكن تجده يرفض هذه الرخصَ الشرعيّة، بدافعٍ داخلي يقول “يجب أن أتألّم حتى أكونَ صالحًا”؛ فرمضانُ يكشف هذا الخلط بين العبادةِ وتعذيبِ النفس.
وفي أجواءِ الإفطار والسحور تراه يخدم الجميعَ دون أن يَطلبَ مساعدة، ويتحمّل الأعمالَ الشاقّة وحده، ويرفضُ الجلوسَ أو الراحة، ثم يشعرُ في داخله بالمرارة؛ لأنه غيرُ مُقدَّر من الآخرين، لكنه لا يعبّر عن ذلك؛ فرمضانُ يكشف ميلَه لأن يضع نفسه دائمًا في موضع المستنزَف.
ومهما فعل من طاعات، يبقى داخلَه صوتٌ يقول “أنت لم تفعل ما يكفي”؛ في حينِ أن رمضان قائمٌ على الرحمة لا على الكمال المطلق، والصيامُ شُرِع ليهذّب النفس لا ليكسِرَها، والتقوى لا تُقاس بكميةِ الألم، بل بصدقِ النيةِ واعتدال السلوك؛ فإن اكتشف الإنسان في رمضان أنه يربط قبول عبادته بالألم، ويحرص على أن يُحمّل نفسَه فوق طاقتها، ويُفرط في العطاء على حساب راحته،، فهذه إشارةٌ تدعوه لأن يُراجعَ نفسه، فربما يكون مازوخيًّا وهو لا يدري.
كيف يمكن أن يستفيد الشخص المازوخي من رمضان؟
في هذا المناخ الروحيّ الذي يسودُ في رمضان، قد تبدأ الشخصيةُ المازوخية رحلةً مختلفةً مع ذاتها، رحلةً تتعلم فيها أن الرحمة لا تُمنح للآخرين فقط، بل تستحقها النفس أولًا.
ففي رمضان يتعلم الشخصُ المازوخي أن المعاناةَ ليست شرطًا للقرب من الله، وأن التقوى لا تُقاس بكميةِ ما يتحملُّه الإنسان من وجع، بل بصدقِ النية وصفاءِ القلب.
ومع تكرار الاستغفار والقيام والدعاء، يهدأ صوتُه الداخلي الذي لا يكفُّ عن لومه وتأنيبه، ويبدأُ في التراجع، ويتحوّل جلدُ الذات إلى مراجعةٍ هادئةٍ للنفس، يكون فيها تصحيحٌ بلا تحقير، وتوبةٌ بلا إذلال.
وفي لحظةِ صلاةٍ خاشعةٍ أو دمعةِ دعاءٍ صادقة، يذوق الشخصُ المازوخي لذةً مختلفة؛ إنها لذةُ السكينةِ لا لذةُ الألم .. وحين يعيش كرامةَ الصائمِ ومكانتَه عند الله، يبدأ في فَهم أنه يستحقُّ الاحترامَ والتقدير، وأن قيمته لا تُقاس بقدرِ ما يتنازلُ عن نفسه أو يهمّشُها.
وفي أجواءِ العطاء يتعلم أن خدمةَ الآخرين لا تعني إلغاءَ ذاته، ويرى أن التضحيةَ الحقيقيةَ لا تتطلب احتراقًا داخليًّا، وأن العطاءَ لا بد أن ينبع من نفسٍ محفوظةِ الكرامة، لا من ذاتٍ مُنهكةٍ تبحث عن الألم.
وفي رمضانَ يتعلم الشخصُ المازوخي أنه مثلما يُمسك عن الطعام والشراب بأحكامٍ منضبطة، فإنه يجب عليه أن يُمسك عن إرهاقِ نفسِه بلا داعٍ، بل وعليه أن يتعلّمَ أن يقول “كفى” حين يتجاوزُ الأمرُ حدودَه .. كما أن رمضانَ يمكن أن يُعيدَ توجيه رغبته في التحمّل؛ فبدلًا من أن يتحمّل الإهانةَ أو الاستنزافَ العاطفي، فإنه يتحملُ ويصبر على تهذيبِ نفسه والارتقاءِ بها؛ فيتحول التحمُّل من أداةٍ لإيذاء النفس إلى وسيلةٍ للارتقاء بها.
كما أن رمضانَ يمنحه فرصةَ بدايةٍ جديدة؛ فإذا عاش الشهر بوعيٍ وتوازن، خرج منه بسلامٍ داخلي، تكون بدايتُه من الرحمة، نعم رحمتُه بذاته قبل كلِّ شيء.
ولكن كيف نتعاملُ مع الشخصِ المازوخي في رمضان؟
التعاملُ مع الشخصِ المازوخي في رمضانَ لا يقوم على الشفقةِ ولا على استغلالِ طيبته، بل على دعمٍ هادئٍ يُعيد له توازنَه، ويُذكّره بأن العبادةَ رحمة، وأن العطاءَ لا يعني إلغاءَ الذات؛ لذلك تجنب العبارات التي تزيد من شعوره بالذنب، وشجّعه بكلماتِ تقديرٍ هادئةٍ ومتزنة، وذكّره بأن العبادةَ توازنٌ لا تعذيبٌ للنفس، ووضّح له أن الصيامَ عبادةٌ ورحمةٌ، وليس سباقًا في تحمّل المشقة، ولا تكافئْه ولا تمدحْه فقط حين يُرهِق نفسَه ويبالغُ في التضحية، بل قدّر راحته كما تقدّر جهده، وشجّعه على توزيع المسؤوليات، وساعدْه على طلب العون بدلًا من أن يتحملَ وحده كلَّ شيء؛ فالعملُ الجماعي يخففُّ عنه هذا الضغط، وكن داعمًا وقدّم له المساندة، ولكن لا تتحمّلْ عنه كل أعبائه؛ حتى لا ترسّخَ لديه دورَ الضحية، وساعدْه على أن يضعَ حدودًا مع الآخرين؛ فذكّره بلطفٍ أن من حقه أن يقول “لا”، وأنّ رفضَه لا يعني فقدان محبة الآخرين له، وأعطِ له مساحةً ليعبّر عن مشاعره، من غير تقليلٍ أو سخريةٍ من ألمه، ولا تستغلّ طيبتَه وصبرَه فتحملَّه مهام إضافية؛ فتكونَ كمن زاد الطينَ بلة.
إن هذه الشخصيةَ لا تحتاج إلى من يستفيدُ من صمتها وتضحيتها، ولا إلى من يَزيدُها شعورًا بالذنب، بل تحتاج إلى من يحتويها بلطف، ويساعدُها على أن تتعلمَ كيف تكون رحيمةً بنفسها، ويذكّرها بهدوءٍ أن قيمتَها لا تُقاس بكميةِ ما تتحمّله من ألم .. وقد يكون ذلك –أخي الكريم- من أفضل الأعمال التي يمكن أن تقدّمَها في هذا الشهر الفضيل.
وفي الختام يظلّ رمضان موسمَ انكشافٍ وارتقاء؛ تنجلي فيه الحقائق كما تنجلي السُّحُب عن وجه السماء، والشخصية المازوخية وإن تلحّفت بثوب الصبر، وتزيّنت بشعار التضحية، فإنها تُخفي تحت ذلك كلِّه قلبًا مُثقَلًا، وروحًا مرهقة .. غير أن رمضان لا يُراد به أن نُرهقَ أرواحنا، بل أن نُزكّيها؛ ولا أن نُضاعفَ أوجاعنا، بل أن نُطهّر نوايانا.
هو شهرٌ يُعلّمنا أن الله لا يُريد لنا العنت، ولا يرضى لنا الانكسار؛ فالقرب منه ليس بكثرة ما نتألّم، ولا بطول ما نُعذّب أنفسنا، بل بقدر ما نُصلحها.. فلنجعل هذا الشهر محطةَ تصحيحٍ لا محطةَ إنهاك، وبدايةَ وعيٍ لا تكرارَ ألم؛ ولنجعل من الرحمة شعارًا، ومن التوازن معيارًا.. عندها فقط، يخرج الإنسان من رمضان أطهر قلبًا، وأصفى روحًا، وهو بحدود ربه أعلم، وبنفسه أرحم.
كل رمضان أنتم أكثر رحمة بأنفسكم، وحكمةً في التعامل مع المازوخيين🌙.






