بقلم أ.د/ ممدوح مصطفى
أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر
هناك أشخاصٌ يجدون متعتَهم في رؤية الآخرين يتألمون، سواء جسديًّا أو نفسيًّا، هؤلاء هم من تتحكّم فيهم السماتُ الساديّة؛ فالشخص السادي يجد لذةً داخليةً في رؤية الآخرين يتألمون أو يعانون أو يشعرون بالحرج، وهذا لا يقتصر على الألم الجسدي فقط، بل يشمل الإحراج النفسي، أو السخرية، أو الضغط النفسي المتعمد.
والسادي عديمُ التعاطف مع مشاعر الآخرين؛ فلا يشعر بالألم الذي يُسببه لغيره، ولا يهمه شعورهم بالحزن أو الخوف، فهو يركّز فقط على متعته الشخصية أو شعوره بالسيطرة.
ويستخدم الشخص السادي السخريةَ أداةً لإحراج الآخرين وكسر ثقتهم بأنفسهم، وأحيانًا كوسيلةٍ لإظهار تفوقه أو قوته، وهو بارعٌ في اللعب على مشاعر الآخرين، سواء بإثارة الغيرة، أو الحسد، أو الإحراج، ويعرف كيف يضغط على نقاط ضعفهم ليحصلَ على الاستجابة التي يريدها.
وهو عادةً ما يراقب لحظات ضعفِ الآخرين أو المواقف المحرجة التي يتعرضون لها؛ ليستغلَها ويستخدمَها في إيذائهم أو السخرية منهم .. وقد يظهر الشخص السادي أمام الناس بشكلٍ جذّاب أو لبقٍ؛ ليخفيَ نواياه الحقيقية، ويُصَعِّبَ على الآخرين اكتشافَ طباعه المؤذية بسهولة.
والسؤال الآن، كيف يكشفُ لنا رمضانُ هذه الشخصيةَ السادية؟
في رمضان يستغلُّ الشخصُ السادي الظروفَ الاستثنائية للصيام (الجوع، العطش، التعب) لممارسة السيطرةِ أو التلذذِ بمعاناة الآخرين؛ فتظهر شخصيتُه السادية في عدة أشكال، فتراه يتعمّد استفزاز مَن حوله في الساعات الأخيرة قبل الإفطار، مستغلًا حالة التعب وضعف الطافة لديهم، وهو يشعر باللذة عندما يراهم يفقدون أعصابهم أو يعانون نفسيًّا.
وقد يتعمدُ السادي منعَ الآخرين من الراحة أو النوم، أو إثقال كاهلهم بطلباتٍ منزليةٍ مجهدةٍ في نهار رمضان، ويجد متعتَه في رؤيتهم يبذلون مجهودًا يفوق طاقتهم وهم صائمون.
وقد تظهر الساديةُ اللفظيةُ في تحقير الطعام أو الجهود المبذولة في تحضيره أمام الضيوف أو الأبناء؛ مما يحول لحظة الفرح بالإفطار إلى لحظة إهانةٍ للآخرِ وانكسار، وقد يفتعل أزماتٍ كبرى من أسبابٍ تافهة (كالتأخير في وضع الماء) ليمارسَ ساديته في شكلِ نوبةِ غضبٍ عارمةٍ تهدف لإرهاب الآخرين.
كما تظهر الساديةُ لدى البعض في إصراهم على التحكُّم المطلق؛ فيُصرّون على فرضِ طقوسٍ معينةٍ أو تغييرِ مواعيدَ ثابتةٍ، فقط لإظهار القوة وإجبار الجميع على الانصياع لرغباتهم الشخصية .. وفي بيئة العمل قد يضغط المديرُ السادي على مرؤوسيه بمهام شاقّة أو اجتماعات مطوَّلة قبل الإفطار مباشرةً، ليس لضرورةِ العمل، بل للاستمتاع برؤية إجهادهم ومحاولتهم اللحاق بموعد الإفطار.
هل يمكن أن يُعالج رمضانُ الشخصيةَ السادية؟
كما ذكرنا عند الحديث عن الشخصية السيكوباتية إذا كان الأمرُ اضطرابًا حقيقيًّا شديدًا، فالعلاج يحتاج إلى تدخلٍ متخصص طويلِ الأمد، ورمضانُ وحده لا يكفي .. لكن إذا كانت السماتُ خفيفةً أو في بداياتها، فإن الشهرَ الكريم قد يجعله يشعر بضعفه ويكسِر كبرياءه؛ فالشخصُ السادي يرى نفسه “فرعون” على مَن حوله، لكن الصيام يأتي ليُذلَّه بالجوع والعطش، عندما يشعر أن لقمةً أو شربةَ ماءٍ هي التي تتحكم في أعصابه وقوته، يبدأ يدرك أنه بشرٌ ضعيفٌ مثل غيرِه، وهذا الضعف يكسر “غطرسته” ويجعله يتوقف عن التعالي والسيطرة على الناس.
كما أن الصيام يجعله يتذوق الوجعَ بنفسه بعد أن كان يتلذّذ بوجع الناس؛ فعندما تذبُل طاقتَه ويشعرُ بالتعب، تكون هذه فرصته ليفهم أن من كان يؤذيهم بالكلام أو الفعل هم بشرٌ يحسون بالألم أيضًا، فرمضانُ هنا يكون مثل “درسٍ عمليٍّ” في الإحساس بالغير، فربما يلينُ قلبُه حين يجرّب معنى الحرمان.
كما أن الساديَّ الذي تعوّد أن يتحكم في الآخرين، يأتيه رمضان ليقولَ له “بدلًا من أن تتحكم في الناس، تحكم في لسانك وغضبك”؛ فالصيامُ تدريبٌ يوميّ على “التحكّم في النفس، فإذا نجح أن يُمسك نفسَه عن إهانةِ زوجته أو ضربِ طفله أو إحراجِ زميله وهو صائم، فهو بذلك يروّض “الوحش” الذي بداخله، ويحوّله لإنسان منضبط.
كما أنه في رمضان يكون الجو العام كلُّه عبادةٌ ومساعدةٌ للناس، فإذا جرّب الشخصُ الساديُّ ولو لمرةٍ واحدةٍ أن يساعدَ فقيرًا أو يوزّع تمرًا بابتسامة، سيتذوق نوعًا جديدًا من اللذة؛ وهي “لذة العطاء” بدلًا من “لذة الأذى”، وهذا الشعور الجديد قد يُغير كيمياءَ عقلِه، ويجعله يحبُّ الخير؛ لأنه يُشعره بالراحة النفسية الحقيقية.
كما أن العبادةَ في رمضان تُهدِّيء الأعصابَ المتوترة، والساديُّ غالبًا ما يكون بداخله بركانُ غضبٍ يبحث عن مخرج، والسكينةُ التي يجدها في صلاة التراويح أو جلساتِ الذكر تفرّغ هذه الشحنات السالبة بطريقةٍ سلمية، وقد يكون ذلك سببًا في أن يخرج من رمضان أفضلَ مما كان عليه قبله.
ولكن كيف نتعاملُ مع الشخصِ السادي في رمضان؟
التعاملُ مع الشخص السادي يحتاج وعيًا وهدوءًا، خاصةً في رمضان؛ حيث تكون النفوس أكثرَ حساسيةً بسبب الصيام والتعب، وأول ما أوصيك به أن تعرف أن الشخص السادي يستمتع بردّة فعلك أكثرَ من الفعلِ نفسه؛ فهو لا يبحثُ فقط عن قولِ كلمةٍ جارحة، بل عن رؤيةِ أثرها عليك؛ لذلك أهمُّ خطوة هي ألا تمنحَه المتعةَ التي يبحث عنها، فحين يسخر منك أو يُحرِجك أو يستفزّك، لا تدخل معه في معركةٍ انفعالية، فالردُّ الهادئ المختصر يقطع عليه لذّة المشهد، عبارةٌ بسيطةٌ مثل “هذا الأسلوب لا يُناسبني” أو “لا أحبُّ هذا النوعَ من المزاح” تُقال بنبرةٍ ثابتة، قد تكون أقوى من جدالٍ طويل، بل حاول – كلما كان مناسبًا – أن تستخدمَ الردود المختصرة، والكلمات القصيرة المحايدة مثل “طيب”، “فهمت”، “حصل خير” دون الدخول في تبريراتٍ أو جدالٍ طويل؛ فالساديُّ يتغذى على ملامحِ الحزن أو البكاء أو الغضب التي تبدو عليك، فلا تمنحْه هذه المتعة، وذكّر نفسك دائمًا أن سلوكَه نابعٌ من خللٍ في شخصيته، ولا يعكس قيمتَك الحقيقية، لكن عليك أن تقلّل من الاحتكاكَ به، وليكن تواصلُك معه في أضيق الحدود.
وعندما يتجاوز الشخصُ الساديُّ حدوده معك، قل بوضوحٍ وهدوءٍ “أنا لا أقبل أن يكون التحدثُ معي بهذه الطريقة”؛ فالساديُّ غالبًا لا يتراجعُ إلا عندما يجد نفسَه أمام شخصٍ قويٍّ يعرف كيف يُوقفه عند حدّه.
وإياك أن تحاول استعطافَه أو تقديم تنازلاتٍ إضافيةٍ لإرضائه؛ فهذا يشجّعه على زيادةِ جرعة الأذى؛ لأنه يرى في ذلك ضعفًا، وعندما يحاول أن يستغلَّ تعبك من الصيام ليضغطَ عليك، ذكّره بهدوءٍ أن “الصيام أخلاق”، فإذا استمر، فانسحبْ أنت من الجلسة؛ لتُفوِّت عليه الفرصةَ في أن يُفسدَ عليك صيامَك أو يستمتعَ بإيذائك.
واحذر من أن تكشفَ نقاط ضعفك أمامه بسهولة؛ فالشخصُ الساديُّ يلتقط لحظاتِ الضعف ليستثمرَها، فاخترْ بعناية ما تشاركه من تفاصيلِ حياتك، ومع مَن تشاركُه.
وإذا كان الساديُّ مديرًا في العمل أو شخصًا ذا قوةٍ في محيطك، فحاولْ أن توثّق هذه التجاوزات، واحتفظْ بسجلٍ لمضايقاته لك (التاريخ، الوقت، طبيعة الإهانة)؛ فربما تحتاج ذلك إذا اضطُرِرتَ للجوء إلى القانون، وفي الحالات التي لا يوجد فيها أملٌ في التغيير، قد يكون الانفصالُ أو تركُ العمل هو الحلّ الأفضل للحفاظِ على سلامتك النفسية.
وفي الختام، يبقى رمضانُ مرآةً صادقةً للقلوب؛ يُظهر ما تخفيه كما يُظهر ما تبديه، ويكشف مواطنَ الداءِ ويحمل معه الدواء، والسعيدُ من جعل من جوعه زادًا للرحمة، ومن عطشِه سبيلًا للرأفة، ومن صمتِه تهذيبًا للسانه، ومن قيامِه سكينةً لوجدانه.
ورمضانُ ليس شهرَ امتناعٍ عن الطعام فحسب، بل شهرُ امتناعٍ عن الظلم، وانكسارٍ للكبر، وانتصارٍ على هوى النفس .. فمن خرج منه بقلبٍ ألين، ولسانٍ أرفق، ويدٍ أبعد عن الأذى، فقد فاز فوزًا عظيمًا؛ ومن أصرّ على أن يبقى كما كان، فقد مرّ عليه الشهر كما يمرّ الظلُّ على الحجر، لا يُليِّنه ولا يُغيِّره، فليكن رمضانُنا بدايةَ تحوُّلٍ لا محطةَ عبور، وموسمَ تزكيةٍ لا عادةً متكررة، لعلَّ القلوبَ القاسيةَ تلين، والنفوسَ المؤذيةَ تستكين، وتُشرِق في الأرواحِ شمسُ الرحمةِ بعد طول ظلامٍ وأنين.
كل رمضان أنتم أكثر بعدًا عن إيذاءِ الناس، وحكمةً في التعامل مع الساديين🌙.






